السعيد بوطاجين•• هنيئا

  لذلك، عوضته العناية، عن الضرر والخسارة معا، هذا القبس من النور العقلي والروحي فخصته به؛ لكونه فائق الحساسية بالوجود وبمكوناته التي لم يفقد، تجاهها، يوما إحساسه بأنه جزء منها، مكمل لوظائفها كلها؛ تتساوى عنده في أمرها الحيوانات والطيور والجمادات والحروف والكلمات؛ فكل شيء عنده يتحرك بروح، وكل شيء عنده يأخذ صفة الحي الذي وجد لسبب ما؛ لكونه ثاقب البصيرة حد اختراق حدود نفسه البشرية ذاتها، التي يُنسي آخرين فيها طمعٌ وجشع وبلادة• ذلك، لإعادة ترميم انهياراته التي تحدثها قلة العافية البيولوجية المتحالفة عليه مع كثرة ضعف الحال، بسمو عال على الخوف والإعواز• لكون عقله، الذي بناه على أسس النسبي والاحتمالي والتقديري، رؤية رؤية وسؤالا سؤالا وارتباكا بعده ارتباك في حضرة العارفين والمعرفة والعلم والعلماء وذوي العبقرية الباذخة، لا يفتأ يزداد سعة لاستيعاب عجزه عن الإجابة عن واحد من أسئلة الإنسان المصيرية• ولا عرفت إنسانا نبيلا سخيا زاهدا، وقرأت له مدونه أدبية متفردة بمعجمها وموضوعها وقيمها، مثل السعيد بوطاجين، الذي بقدر ما يشعرك بأنه أقرب ما يكون إلى الحقيقة الأكاديمية بقدر ما يوحي إليك أن أخلاقه الأكاديمية تنئيه عن وهم امتلاك أي حقيقة؛ لأنه لا يني يهدم كل يقين معرفي اكتسبه فيعاود البحث بدءا من النقطة التي انتهى إليها• تلك هي إحدى صفات العالم الذي تتكرس يوما بعد يوم لشخصه الفيزيقي والرمزي الذي، بانكساره الوادع الجميل، يتآلف في تناغم رائق مع إيقاع حياة لا نحس، بما يكفي، متعتها حين ننظر إليها من أكثر من نافذة مفتوحة على ذاتنا• السعيد بوطاجين، هو واحد من الذين انتقتهم الطبيعة واصطفتهم العناية ليكون بجميع تلك العيون يبصر بها بعض ما ينحجب من سر المعرفة وما تخبئه اللغة من مكنون جمالها ومتعتها•  لتلك القدرة، فالسعيد بوطاجين يمتلك إرادة فصل رؤاه الإبداعية، التي يجسدها في نصوصه القصصية والروائية، عن لغته الأكاديمية، التي يجعلها تؤدي عملية تبليغ المعرفة واضحة لا تتقاسم فيها المفاهيم حقول بعضها أو غيرها؛ فلكل مفهوم حدوده النهائية، ولكل تعبير مقتضاه الوظيفي• كما هو يعي، بدرجة متوترة جدا، ضرورة أن تتحر لغته الإبداعية من العقلاني الآسر إلى ما هو أكاديمي• فبذلك تتشكل نصوصه الإبداعية من هذه اللغة الفائقة الشفافية، المتأرجحة، بشكل مذهل، بين الشعري وبين الفلسفي، مؤسسة نوعا من السردية المتفردة• فالسعيد بوطاجين، في المشهد القصصي والروائي الجزائري، أقدر من غيره على إشعار قارئه بأن طبيعة الأشياء والموجودات والكائنات الحية ليست دائما على ما توهم به مظاهرها؛ نظرا إلى قدرته العجيبة على قلب الجد سخرية والحزن فرحا والقبح جمالا• فخر عظيم لنا أن تحتفي الجامعة الجزائرية، وضمنها المركز الجامعي خنشلة، بأحد رموزها الأكاديمية والإبداعية• وهنيئا لك صديقنا السعيد بوطاجين؛ لأنك أحق بها•

   بقلم / الحبيب السايح 

عدد القراءات : 337

التعليقات (0 تعليقات سابقة) :

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك