هنا أسوان.. منبع النيل والحضارة

فتحت نافذة غرفتي بالفندق في الصباح الباكر لأتفاجأ بجمال المنظر، فقد وصلت مدينة أسوان ليلا ولم أكن أتصورها أن تكون بهذا الجمال، فمنظر النيل وهو يسير ببطء نحو الشمال والفلوك (الزوارق الشراعية ) تعبره في هدوء الصباح يأسر الالباب! يا إلهي، صدق من سماها حقا أم الدنيا، إذا كانت أسوان بهذا الجمال الهادئ وهي أقصى مدينة في جنوب مصر فكيف هي المدن الأثرية الأخرى مثل الأقصر؟.

أسرعت بالخروج لاكتشف المدينة وكنت لاحظت من الطائرة ليلا أن مبانيها تساير طولا مجرى النهر، وتوالت المفاجآت طوال الأيام التي قضيتها في هذه المدينة الجميلة الهادئة المضيافة. 

الإنسان المصري.. والنيل الأزلي 

في ثاني يوم من المهرجان، وجه لنا المنظمون دعوة إلى جلسة شاي في حديقة فندق ”أولد كاتاركت” المطل على ضفاف النيل، أين تم تصوير مسلسل غراند أوتيل الذي عرض على عديد القنوات رمضان الماضي. وما زاد المكان سحرا كل تلك الزوارق بأشرعتها وهي تنقل السائحين، في منظر مهيب، فالفلوك المصرية هذه كانت تستعمل منذ زمن الفراعنة، وقد حافظ عليها الإنسان المصري في كسب رزقه من هذا النهر العظيم في الصيد والتنقل، والآن في جلب السياح لاكتشاف سحر مصر الذي لا يضاهى ونيلها الأزلي، أليست مصر هبة النيل.. مثلما قال عنها هيرودوت، والآن هي هبة النيل وهبة إنسانها المتفاني في خدمتها وفي حبها، فالمصري لا يتعفف عن العمل ولا يتردد عن خدمة ضيوف بلاده بكل حب، فالسائح هو مصدر رزقه الذي يجب أن يحافظ عليه ويقدم له صورة جميلة لبلاده. فالمصري لا يقول لا أبدا، ولا ينهر الزائر الذي لا يكف عن الترحيب به، حتى نحن الجزائريون، فأيام الصراع الكروي قد ولت إلى الأبد، والمصريون على اختلافهم لا يترددون عن الترحيب بالزائر الجزائري وهم يلعنون تلك الأيام ومن كان سببا فيها، ويحتضنك بحب، مصر والجزائر بلد واحد.. يردد كل من التقينا بهم، ألم تختلط دماؤنا في سينا في حرب 1967 وحرب 1973؟.

أبو سنبل.. تعامد شمس الحياة 

فإلى جانب مجموعة من الأفلام التي استمتعنا بمشاهدتها مثل الفيلم البنغالي ”تحت الإنشاء ” الذي يروي معاناة المرأة العاملة في بنغلاديش، والفيلم الجزائري ”لالة زبيدة وناس”، والفيلم الإسباني ”الباب المفتوح” الذي اكتسح جوائز المهرجان، والوجوه الفنية التي كانت حاضرة بالمهرجان، منها إلهام شاهين التي كانت الرئيسة الشرفية للمهرجان، وندوة العنف ضد المرأة التي حضرتها ناشطات في مجال حقوق المرأة من ليبيا والمغرب ومصر وبلدان أخرى، سطرت إدارة المهرجان جملة من الرحلات السياحية للتعريف بمدينة أسوان، أقصى مدن جنوب مصر وللتشجيع على السياحة واختيار وجهة مصر التي تضم أكبر نسبة من الآثار العالمية. وصادف تنظيم مهرجان سينما المرأة الأول بأسوان في شهر فيفري هذا، يوم الـ22 منه، وهو يوم تعامد أشعة الشمس على تمثال الملك الفرعوني رمسيس الثاني داخل معبد أبو سنبل، والذي يحدث مرتين في السنة، يوم مولده ويوم تتويجه في21  فيفري وفي 21 أكتوبر، حيث تضيء خيوط الشمس الأولى تمثالين من بين ثلاثة تماثيل.. الظاهرة التي اكتشفتها العالمة الانجليزية إميليا ادواردز سنة 1874 قبل نقل المعبد، ثم تغير التاريخ ليصبح 22 فيفري بعد نقل المعبد في ستينيات القرن الماضي لإنقاذه من الغرق في مياه السد العالي.

أسوان.. قبلة العالم

كانت تجربة من أروع ما عشت خلال كل زياراتي السابقة لأم الدنيا، إذ تنقلنا ليلا في الحافلة تحت سماء صافية مقمرة مرصعة بالنجوم، إلى أبو سنبل التي تبعد بأزيد من 290 كلم جنوب - غرب  أسوان، وعلى طول الطريق تتسابق حافلات السياح الذين جاءوا من كل بلدان العالم لحضور هذا الحدث، انتابني تساؤل.. ماذا لو تقطع طريقنا مجموعة إرهابية مثل تلك التي روعت منطقة سينا قبل زيارتنا بأيام، تساؤل سرعان ما تبدد تاركا المكان للطمأنينة وأنا أشاهد فرق الجيش على طول الطريق تشدد الحراسة وتراقب الرائح والآتي لتفويت الفرصة على أعداء مصر حتى لا يفسدوا فرحة السياح ويضربوا الاقتصاد المصري، فاستهداف السياح الأجانب كان دائما سلاح الإرهاب الجبان منذ سنوات ولم يكن أبدا ردة فعل على إقالة الرئيس مرسي في صائفة 2013 تحت ضغط الشارع، عندما خرج الملايين من المصريين مطالبين بأسقاط حكم الإخوان لأسباب لا يتسع المكان لذكرها هنا.

وصلنا مع خيوط الفجر الأولى إلى معبد أبو سمبل، هذا المعبد الذي يتربع على تلة صناعية بعدما تم نقله من مكانه الاصلي بعد إنشاء بحيرة ناصر الصناعية على نهر النيل، والتي تزود السد العالي بأسوان بالمياه، كان البرد قارصا مثلما هو المناخ الصحراوي، لكن فرحة التجربة وسحر المكان أنسانا ظروف الطقس القاسية، وكان علينا أن نسارع لأخذ مكاننا غير بعيد عن مدخل المعبد لنتمكن من مشاهدة كيف تسقط أشعة الشمس الاولى على واهة المعبد وتنير التماثيل الموجودة بالداخل. ولأن المكان لا يسع كل تلك الجموع القادمة من كل بلدان العالم لمشاهدة هذا المنظر الرهيب، وضعت شاشة عملاقة غير بعيد تنقل الحدث من داخل المعبد. كان مهرجانا حقيقيا حضره وزيرا السياحة والثقافة إلى جانب السلطات المحلية. وما أعطى الحدث زخما الفرق القادمة من اليابان والصين وبلدان اوربية، أدت عروض رقص تقليدية فكانت لوحة بكل ألوان الأجناس والثقافات.ها هي أشعة ”رع”  ترسل سهامها الأولى على المكان، ومعها تتعالى أصوات الحاضرين فرحا بالمنظر وهي تتعامد على وجه التمثالين، وتستمر الفرجة لأكثر من ساعة تحت حراسة  قوات الأمن من كل جانب، ومراقبة طائرة من دون طيار.. لكن الأكثر بهجة عندي كانت مياه النيل الصافية وهي تسير في هدوء قرب المعبد، فالنيل هنا بأبي سنبل وبأسوان جمال لا يضاهى، لصفاء مياهه واتساع مصبه، صدقت أم كلثوم عندما غنت ”يا مسافر على بحر النيل”، إذ يليق بالنيل تسمية البحر.

زخم  تاريخي 

بعد مهرجان التعامد، دخلنا هيكل زوجة رمسيس نيفرتاري، الذي نقل هو الآخر من مكانه لنفس السبب، قبل أن نرجع أدراجنا الى حافلاتنا عائدين إلى أسوان.

أتصدقين؟ قال صديقي الصحفي الكيلاني وأنا أحكي له بفرح عن رحلة ابو سمبل ”أنا شخصيا لم أعش هذه التجربة، وربما لا يوجد1 ٪ في المائة من عاشها، أنت محظوظة يا ست”.

نعم محظوظة أنا.. ففي كل مرة أزور هذا البلد الجميل إلا وأكتشف عظمة المكان وجلالة الحضارة، فكل حجر وكل حبة رمل على أرضها تروي صفحات من التاريخ، تاريخ البشرية التي تعد مصر الفرعونية والنوبية ذاكرته التي لم تفض بعد عن كل مكنونها.

مزيد من الأفلام ومزيد من الانبهار، في هذه المدينة الجميلة الهادئة المضيافة، فإذا كانت القاهرة قبلة للسياح بسبب أهراماتها، فإن نيل أسوان بزوارقه الشراعية الموروثة عن العهد الفرعوني  وصفائه وسد أسوان، سواء السد العالي الذي يعد أهم سد في إفريقيا أوالخزان الذي بناه الخذيوي عباس حلمي، يستحق أن نشد الرحال من اجله، فالسد العالي مفخرة مصر.. ليس فقط سدا يروي عطش المصريين ومزارعهم، بل هو مفخرة البلد ومعلما سياحيا لا يقل أهمية عن جزيرة الفيلا بالقرب من أسوان وهي تقع على مقربة من السد، جزيرة الفيلة التي تظم معابد آزيس، نسبة إلى بطليموس فيلادلف (وليس  للمدينة الأمريكية) التي كانت زيارتنا لها في يوم الغد بعد رحلة أبو سمبل عبر قوارب مخصصة للسياحة، ومعابد الفيلة التي تم نقلها سنة 1972 إلى جزيرة جوليكا على بعد 500 متر من موقعها الاصلي لإنقاذها من الغرق عند بناء السد العالي وكان موقعها وكانت تقع بين سدين، سد أسوان القديم والسد العالي، والتي تضم معابد إزيس الذي شيد في القرن الثالث قبل الميلاد في عهد البطالمة، وكانت عبادة إزيس وقتها انتقلت من مصر إلى اليونان ثم روما، ويضم المعبد عددا من تماثيل ملوك مصر القدامى، وآثار للديانة المسيحية التي استوحت من تمثال إيزيس المرضعة لابنها حورس، رسومات لمريم العذراء.

النوبة.. أصل الإنسان  

وبعد يوم حافل من الاكتشافات لعظمة الحضارات التي تعاقبت على أرض مصر، كانت رحلة مسائية أخرى عبر قوارب في النيل إلى بيت نوبي والنوبة هم شعب يتميز ببشرته السمراء الإفريقية يعيش على امتداد مجرى النيل، سكان جنوب مصر وتمتد حتى السودان وهم يشكلون حضارة قديمة قدم الحضارة الفرعونية، يقع البيت المطعم على الضفة المقابلة لفندق اولد كاتاركت، بيت تزينه النقوش والألوان الزاهية، أين استقبلنا من طرف مضيفين نوبيين وقدمت لنا المأكولات وكان لمذاق الفطير المشلتت والعسل الأسود بنة لا توصف، واستمتعنا بعروض غنائية نوبية، فالنوبية هي رافد من روافد الثقافة المصرية، لهم لغتهم الخاصة وعاداتهم وتقاليدهم ذات البعد الإفريقي، ثم عدنا آخر المساء إلى الفندق.

إذا كان كل هذا الجمال في مدينة أسوان وحدها، أسوان التي تقع في اقصى جنوب مصر تتمتع بكل هذا الغنى وهي شريان مصر الحيوي بسدها العظيم الذي سمح للفلاح لمصري بهزم الصحراء وتحويلها من أرض قاحلة إلى مزارع تمتد على مرمى البصر، فماذا عن الأقصر والقاهرة أرض الاهرامات التي حيرت علماء الآثار، وقيل إنها مركز لكل آثار العالم الواقعة على خط واحد بدءا من آثار البيرو مرورا بجزيرة الباك والصحراء الكبرى بالجزائر وليبيا، وانتهاء بالهرم الأكبر الذي يقول علماء الآثار إنه كان لابد أن يبنى في تلك المنطقة بالتحديد لسر لم يُكشف عنه بعد.

وأهم من جمال أسوان وجمال مصر كلها التي ما زالت تبهر السائحين والعلماء وعشاق الفن والحياة، أهم من كل هذا هو الإنسان المصري المضياف المحب لبلاده، الذي لم تقهره لا الحروب ولا ظروف الحياة الصعبة، وما زال يعمل ويبدع ويفتك لقمة العيش من الحجر، إنسان يحب النكتة ويقبل على الحياة بفرح مهما كانت قسوة الحياة والرزق.سأعود إلى أسوان و إلى الاقصر التي تضم وحدها أكثر من ثلث الآثار العالمية، فكل شبر في مصر يستحق الاكتشاف وكل حجر فيها يروي صفحة من صفحات تاريخ الانسانية، فالسياحة في مصر ليست استجماما واستمتاعا بشمسها وماء نيلها، وإنما هي زيارة للتاريخ ونهل من ثقافتها. السياحة في مصر عبادة، عبادة للخالق وتأمل في عظمة الإرث الإنساني الذي صنعه الانسان المصري على مر العصور ومازال إلى اليوم لا يكف عن العطاء والإبداع. 

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار