فرانز فانون ومآل المستعمِر والمستعمَر 2 الجزائر، جنوب إفريقيا والأرض المحتلة

1/ الجزائر

تضيئ تجربة الجزائر مجددا على تراث فانون في مرحلتي التحرر الوطني وما بعده. وبالطبع ليس نقاشنا اقتصاديا، ولكن لا بد من ارتكاز ما على الاقتصاد السياسي للبلد ما بعد الثورة لنرى مدى استمرار تراث فانون ورؤيته في موطن نضاله.

كان الفلاحون الكتلة البشرية الأساسية للثورة الجزائرية واقعا وحسب رؤية فانون. لكن المرحلة الأولى ما بعد الثورة سواء السنوات القليلة للتسيير الذاتي فترة بن بيللا (1962-65) أو الفترة من 1965-1978 فترة بومدين، حيث تم التوجه لإرساء قاعدة صناعية في الجزائر بمضمون اشتراكي ومنها تأميم النفط عام 1971. أي تم تطعيم البنية الفلاحية للمجتمع بأنوية طبقة عاملة.

ولكن بقي كعب أخيل في الجزائر هو أن قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية كانت وطنية تقدمية ولكنها لم تكن شيوعية مقارنة بالصين وكوبا خاصة. لكنها كانت على علاقة جيدة بالاتحاد السوفييتي. ولا شك أن أحد أسباب عدم التحول لدى هذه الجبهة إلى الاشتراكية العلمية تحديداً هو موقف الحزب الشيوعي الجزائري والحزب الشيوعي الفرنسي وكثير من المثقفين الفرنسيين سواء من وُلدوا في الجزائر أو في فرنسا من اعتبار الجزائر فرنسية، ووقوفهم ضد الاستقلال. وهذا ما يمكننا تسميته ”دور الحركيين الفكريين”.

لم يُسعف العمر فانون ليقل لنا لماذا لم يتأثر بأمرين أساسيين بسارتر:

*الماركسية، ولا سيما ”ماركسية” سارتر نفسه.

*وموقف سارتر العنصري لصالح الكيان الصهيوني حيث يتضح تناقض سارتر في موقفه المؤيد لنضال الجزائر  بينما يتعاطف بنفاق كبير مع الكيان الصهيوني، رغم أن الاستيطان الصهيوني في فلسطين، بما هو إمحائي،  أشد عسفا من الاستيطان الفرنسي في الجزائر. وهذا موقف لا يمثله سارتر وحده بل كثيرين في الثقافة الغربية.

تجدر الإشارة أن فرصة الجزائر للاعتماد على الذات وحتى فك الارتباط بعد الاستقلال، هي في حينه، أفضل من فرص كوبا والصين الشعبية بما هي بلد نفطي من جهة، ومن جهة أخرى لديها رقعة زراعية واسعة وثروات أخرى في باطن الأرض، إضافة إلى محيط عربي مؤاتي في فترة المد القومي العربي حتى 1967. كما أن رحيل المستوطنين ترك للدولة الأراضي التي كانت محتلة بما فيها من مشاريع زراعية متطورة. وتبع ذلك قيام السلطة بتأميم النفط عام 1971 والتركيزعلى الصناعة، وإن كانت الصناعة النفطية هي صاحبة الحظ الأوفر، وخاصة إثر ارتفاع أسعار النفط في فترة حرب تشرين 1973 مما زاد من مداخيل الدولة. 

لكن رحيل بومدين عام 1978 قطع هذا التوجه التنموي الإنتاجي الاستقلالي لتتبعه حقبة يمكن وصفها بعودة أو استدعاء المستعمِر مجددا في فترة حكم الشاذلي بن جديد المتهم بالتأثر برئيس العدو الفرنسي/الرأسمالي/الإمبريالي فرانسوا متيران ونسج علاقة بين جنرالات في الجيشين الجزائري والفرنسي للسيطرة على الجزائر. كما غيَّر الشاذلي قيادة الجيش لاتجاهه وهي علاقة تذكرنا بعلاقة جورباتشوف بالغرب، حيث عزل الجنرال بلوصيف بتهم باطلة لرفضه استعمال الأجواء الجزائرية من طرف الطائرات الأمريكية لضرب ليبيا عام 1985. وبأنّ اعتماد ”الجبهة الإسلامية للإنقاذ” كان بإيعاز من الرئيس الفرنسي ميتران. كما تمّت عملية هيكلة عملاء فرنسا بوصولهم إلى مناصب حسّاسة في الدولة.

كان هذا دور الآليات الداخلية للثورة المضادة التي اقتلعت جيل الثورة بعد الاستقلال أي قضت على الإنسان الجديد الذي توقعه فانون. وللمفارقة تم ذلك بتكاتف جناحي الثورة المضادة، الداخلي والخارجي حيث تواشجت آلياتها الداخلية والخارجية أي دور المستعمِر الفرنسي أو الشركات النفطية بإشراف الإمبريالية الأمريكية، كما بدأ الضغط أكثر على البلد مع عام 1987 عن طريق فبركة انهيار أسعار البترول. 

وهذا يعيدنا لتقييم مدى تحقق مقولة فانون من حيث إعادة الثورة خلق المستعمِر والمستعمَر إذ تمت عودة الأول بشكل آخر دون تغيير في جوهره، بل استدعائه مما أسس لتجهيز انفجار ذا طابع شعبي كما حصل 5 اكتوبر 1988، كما لم يكن الثاني مثابة إنسان جديد! 

لقد ترتب على الاستسلام مجددا للاستعمار اللجوء إلى التوجه الريعي في الاقتصاد. 

”... فرغم أن الاحتياطي النقدي وصل  حوالي مئتي مليار دولار قبل الأزمة الأخيرة في أسعار النفط ... وقد ركزت تلك الاستراتيجية أساساً على تعزيز نمو القطاع غير النفطي من خلال الإنفاق العام. ولكن النمو السنوي الفعلي للفترة ما بين 2006 و2010 تراوح بين 2 و3.5 في المئة، وهو أقلّ بكثير من الحد الأدنى المطلوب لإطلاق الاقتصاد الإنتاجي وامتصاص البطالة. علاوة على  التكاليف الخيالية التي تصرف على مشاريع كبرى غير مكتملة، وكذلك الزيادة المطردة في الاستيراد، الغذائي تحديداً... يقدر الخبراء أن مستوى الفقر المدقع لا يزال مرتفعاً: أكثر من 15 في المئة من السكان يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، والتفاوت في الدخل كبير للغاية... يسمح الاقتصاد الريعي، القائم على استغلال الموارد الأحفورية، للنظام بتوزيع الإعانات والرشى للناس وتلبية الحد الأدنى من المطالب الاجتماعية من خلال زيادة الرواتب في الوظيفة العامة وتوزيع قروض على الشباب العاطلين من العمل. وهي قروض مرصودة بالأصل لإنشاء شركات ولـ”توظيف الشباب”، ولكنها تذهب الى شراء السيارات والسلع الاستهلاكية... وهذا زاد  ظاهرة الهجرة غير الشرعية – ”الحرّاڤة... التراجع عن القطاع العام وزيادة الاعتماد على تصدير النفط والغاز كمواد خام، كتوجه ريعي... فالهيدروكربونات تشكل 52 بالمئة من موارد الخزينة و95 بالمئة من الدخل عن التصدير و 25 بالمئة  الناتج المحلي الإجمالي. كما انها لاتكفي حاجة البلد الغذائية رغم رقعتها الزراعية الواسعة... 

أما العشرية السوداء، فكانت بمثابة القطع النهائي مع تراث فانون من جهة وتجاوز هائل لتوقعاته السلبية أيضا. 

ينسب بن درة: ”...  أسباب العشرية السوداء أساسا للسلطة والجيش وليس للتغييرات التي أحدثها الشاذلي بتأثير فرنسا... وفي حين تسببت فترة الحرب الأهلية في التسعينيات بمقتل 200 ألف شخص واختفاء حوالي 20 ألفا آخرين، فضلاً عن التشريد القسري لمئات الآلاف من الناس.. وهي مكنت النظام الجزائري من كسر كل أدوات التمثيل السياسي. وبطبيعة الحال، تتحمل الطغمة العسكرية الحاكمة، التي قررت آنذاك، في يناير 1992، إيقاف العملية الانتخابية، المسؤولية الأساسية عن حمام الدم الرهيب... ولكن بعض قادة الاسلاميين يشاركونها بالتأكيد في الذنب، بعدما دعوا للكفاح المسلح ضد قادة الانقلاب وحلفائهم... وقد أتاحت الحرب القذرة تفكيك القطاع الاقتصادي العام، وتطبيق برنامج للإصلاح الهيكلي في العام 1994 برعاية صندوق النقد الدولي، والتوجه نحو اقتصاد ”الكونتوار ”.

لكن ربما التجربة في ما يسمى الربيع العربي وخاصة في ليبيا وسوريا واليمن يذهبان عكس ما يزعمه بن درَّة ويؤكدان صحة علاقة قوى الدين السياسي بالإمبريالية.

ويبقى لدينا سؤالان إجابتهما عالقة:

- هل ما طُرح أعلاه هو السبب في عدم خلق الإنسان الجديد الذي توقعه فانون في الجزائر رغم عمق وعنف الثورة؟

- وهل عدم تورط الجزائر في مستنقع الربيع العربي ناتج عن بقايا الأثر الثوري لهذا البلد؟ وهل تجاوزت ذلك الجزائر؟

 

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار