في كتابه الجديد ”دروس الحياة” الصادر عن دار النعمان

بوعلام بن حمودة يُحلّل راهن ومستقبل الحياة السياسية في الجزائر

يصلح كتاب السياسي والمثقف الدكتور بوعلام بن حمودة ”دروس الحياة” الصادر مؤخرا عن دار النعمان للطباعة والنشر، أن يكون مدونة أخلاقية لكلّ المشتغلين في الحقل السياسي بالجزائر، ذلك أنّه يضع فعل ”ساس” في سياقه الحقيقي الواجب أن يكون، وهو خدمة الصالح العام، وليس التعالي على الناس والسطو على إرادتهم الشعبية.

وحتى وإن اعتبر الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني أنّ كتابه يُمثّل سردا لوقائع وأحداث شخصية ظلّ دائما يحاول أن يتفادى الخوض فيها، لأنّه، مثلما يقول، يُفضّل تجنُّب ”الكلام عن نفسه وعن تجربته”، ولهذا فقد اقتصر كتابه على ”الوقائع الشخصية التي ستكون فيها فائدة للأجيال القادمة وللجزائر بأكملها”.

ومع ذلك نقول، إنّ هذا الكتاب الجديد يستمدُّ أهميته التي لا جدال فيها، من المسؤوليات التي تقلّدها بوعلام بن حمودة، حتى قبل استقلال الجزائر، وقد كان بفعل ذلك، شاهدا على أحداث هامّة مرّت بها الجزائر، وبعضها تُعدُّ شهادة بن حمودة فيه ضرورية لفهم مجرياتها وظروف تشكُّلها واستبيان مراميها ونتائجها التي كان لها الأثر البالغ على توجُّهات الجزائر المستقلة.

ينطلق بوعلام بن حمودة من فكرة مؤدّاها أنّه ”لا سياسة بدون أخلاق”، حيث يقول ”يظنُّ البعض أنّ الأخلاق في الحياة السياسية شيءٌ ثانوي؛ بالعكس فإنّ المواطنين يُصدرون أحكامهم على المسؤولين على حسب صدقهم وسلوكهم الأخلاقي ووفائهم لوعودهم وعلى حسب نزاهتهم في أداء مهماتهم..”، وكلامٌ مثل هذا تؤكده الوقائع ولسان الحال السياسي عندنا.

ومن القضايا ذات الأهمية القصوى التي يضع بن حمودة النقاط على الحروف فيها مسألة الجيش ودوره في الدولة، حيث يؤكد على هذا الموضوع بقوله ”إنّ الجيش الوطني الشعبي وارث لجيش التحرير الوطني المجيد..، وهو يقوم بمهام منصوص عليها في الدستور تضع نشاط الجيش الشعبي الوطني في خدمة الدولة الجزائرية فقط”.ويعيب الدكتور بوعلام بن حمودة على النظام الجزائري كونه يُفصّل الدساتير على مقاس المرحلة، حيث يؤكد ”إنّ الطابع المشترك لكلّ الدساتير وتعديلاتها أنّها ممنوحة من طرف السلطة القائمة بدون أن تحظى بنقاش واسع مع كلّ الآراء المخالفة ومع المختصّين جميعهم؛ لم يقع نقاش عميق لا في عهد الحزب الواحد ولا في عهد التعددية”. وهنا يذكر الأمين العام الأسبق للحزب العتيد للدلالة على ذلك أنّه ”..لما حُضّر مشروع الدستور الأول بعد الاستقلال سنة 1963، نشأت أزمة أدّت إلى استقالة رئيس المجلس التأسيسي فرحات عباس، أما دستور 1976، فقد سبقه نقاش وطني واسع ختمه ملتقى في قصر الأمم حضره إطارات الأمة وترأسه عدد من الوزراء وقد كنت من بينهم؛ وأعترف أنّ الملتقى كان شكليا لأنّ التعديلات كانت منعدمة”. ومن نافلة القول في كتاب ”مكاشفة”، مثل الذي بين أيدينا، أن يتحدث الدكتور بن حمودة عن ضرورة توافر شروط الانتخابات النزيهة لأيّ نظام سياسي، فما بالك بالجزائر، حيث يُسجّل ”..وإذا ارتفعت نسبة الامتناع عن التصويت، وإذا حصّل النصُّ الدستوريُّ نفسه على أغلبية مزيّفة، فكلُّ شيء يُصبح مخادعة لأنّ القرارات السياسية والنصوص القانونية والتنظيمية والتعيينات، كلُّ هذه الأشياء تصبح غير صحيحة لأنّها صادرة عن أشخاص غير منتخبين حقيقيين..”.

ولا يكتفي الدكتور بن حمودة بتسجيل هذه الملاحظات السياسية بخصوص المشهد الجزائري، لكنّه يغوص في كثير من الأحداث التاريخية التي شكّلت منعرجات حاسمة في الحياة السياسية للجزائر المستقلة، مثل ”الانقلاب” على الحكومة المؤقتة بزعامة بن يوسف بن خدة، وخلفيات الخلاف بينها وبين قيادة الأركان بزعامة هواري بومدين، وهو ما اعتبره بن حمودة ”صراعا من أجل السلطة”.

وإذا كان الدكتور بوعلام بن حمودة قد فضّل ”تجنُّب الحكم للأشخاص أو عليهم فاكتفيت بذكر الوقائع التي عشتها معهم تاركا للقارئ حرية اختيار الحكم الذي يراه مناسبا”، فإنّ قارئ هذا الكتاب أمام مسؤولية أن يضع ما جاء به هذا المؤلّف الجديد في نصابه ليفهم قليلا ممّا حدث ويحدث في الجزائر.

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار