تحديات العالم الإفتراضي

مع إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي وإمتداد شبكة الإنترنيت إلى كل الزوايا وهيمنة الفضاء الإلكتروني على معظم الوسائط الخبرية والثقافية لايمكن تجاهل السؤال عن مصير الصحافة الورقية وبالطبع أنَّ كل تحول في الأدوات التي يستخدمها الإنسانُ له إنعكاسات في الرؤية وما درج عليه من التصنيفات على المستوى الإجتماعي والفكري إذ لاتوجد الرقابة في المساحات الألكترونية كما غابت إلى حدما ما إصطلح عليه بثقافة النخبوية، ولكن هل يخدم كل ذلك في المحصلة الأخيرة العوامل التي تساهم في إنتاج وعي جديد يكون مُغايراً لما ساند وعزز دعائم المركزيات الثقافية والسياسية؟ 

ثمة من يعزى الدور الكبير فيما شهدته البلدان العربية من الثورات والإنتفاضات الشبابية إلى قدرة الشباب وتمكنهم في توظيف المستحدثات التكنولوجية لزعزعة أركان الأستبداد، لكن مايهمنا في هذا المبحث هو وجه آخر من المُعادلة هل تستطيعُ الوسائط الإلكترونية سد الفراغ الناجم عن توقف الصحف والمجلات العريقة، ماذا يكون المستوى الفكرى للجيل الواعد الذي لم يجربْ متعة قراءة الصحف ومتابعة المشاهير الذين أغنوا الصحف والمجلات بموادهم الفكرية والأدبية فبالتالي أدوا دورا كبيراً في نهضة العقل والتنافذ مع الثقافات الأخرى، صحيح أنَّ الشبكة العنكبوتية تقدمُ فرصة التحاور والإنفتاح على الآخر لكن لاينكرُ أحدُ سوء الإستفادة من هذه المعطيات على المستويات الإجتماعية والسياسية والفكرية، ناهيك إستخدام المتطرفين من هذه الوسائل لنشر الأفكار التدميرية التي لاتدع مجالاً للتحاور، هذا نتيجة لعدم إدراك وأهمية الوعي المسبق قبل إحتكاك بعالم يكون الإبحار فيه بلا نهاية على حد تعبير إمبرتو إيكو.

هناك مخاوف من أن يتحول الإنسان إلى كائن متفرج تماما وتجرفه الصورة إلى أدنى المستوى من الوعي والقدرة على التحليل والخمول العقلي، ماذا يكون شكل ونفسية الكائن يستأنس بالحاسوب أكثر من الكتب والجرائد وحتى يفضل أصدقائه الإفتراضين على من يتعامل معهم في الواقع،لذلك نرى أن حجم التحديات لايمكن الإستخفاف به،كان من المتوقع أن تكون الوسائل التكنولوجية معبراً صوب تحقيق مافاته الإنسان في العصور الغابرة لكن يبدو أن الصعوبات تزداد مع سيطرة العالم الإفتراضي على عقلية الإنسان حيث أصبح واقعا تحت أمرة سلطة الشاشة وما يتلقاه من وسائل التواصل الإجتماعية، هل يمكن وصف الإنسان في هذا الزمن بإنه كائن مستقيل عن مهمة التفكير، أياً كان الأمر فبما نحن نتأخر في إدراك المخاطر وليس لدينا رؤية مستقبلية لذلك يخطيء من يعتقد بوجود سيادة العالم الإفتراضي ستحل كل المشكلات وتنتهي حالة الإضطهاد بكل أشكالها وأنواعها أو ستطوى صفحة مشكلة الأمية في بلداننا هذه التهويمات لاتستند إلا إلى فكر ينتج الهزيمة ولايملُّ من التحايل واللعب بالكلمات، ومناسبة هذا المقال هي قرار وقف إصدار صحيفة السفير نهائياً بفعل الأزمة المالية، فمهما كانت مواقفك السياسية والفكرية عليك أن تُقر بدور السفير وملحقها الثقافي في تغذية الحركة الأدبية والثقافية، والغريب في الأمر أن أي جهة لم تبدِ إستعدادها في إنقاذ السفير بوصفها منبرا صحافيا له تأريخ قد واكب اللحظات المفصلية في تاريخ المنطقة، غير أن الخبر قد مرَّ على كل الجهات المتوقع منها الإهتمام بالشؤون الثقافية كغيمة الصيف، وهذا يكشف ماوصل إليه الإستخفاف بالقطاع الثقافي في بلداننا ومن المؤكد أن الجهات المعنية لن تنجح في ترفيد شريان الثقافة مستفيدة من التقنيات الحديثة ما يسفر عن عزوف مزيد من الشباب عن القراءة والإقبال على يعمق الهوة القنوات المعرفية والجيل الجديد، والأخطر من كل ذلك هو تدفق الأموال على طاحون الحروب العبثية إذ هناك فائض من الأسلحة في وقت قد ودع العالم بأسره ما نحن نتصارع عليه في الآلفية الثالثة،ما يعظم مخاوفنا هو أن يكون تعاملنا وتصوراتنا للعصر المعلوماتي لايختلف عما تبنيناه لفهم الأفكار الوافدة من الغرب بذلك نعطي الحجة لمن يقول بتكرار التاريخ.

 

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار