السلاح الأمريكي من الخيال العلمي إلى الواقع المادّي والخرائط النازفة!

”أود تهنئة مكتب القدرات الاستراتيجية لهذه التظاهرة الناجحة! هذا هو نوع من الابتكارات التي من شأنها أن تبقي خصومنا على مسافة خلفنا. هذه التظاهرة ستجعلنا نطوّر أنظمة التحكم الذاتي!”. 

آشتون كارتر - وزير الدفاع الأمريكي، 

 

 

منذ ما يزيد عن أسبوع تقريبا، كشف مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية –البنتاغون- عن نجاح تجربة إطلاق سرب ضمّ 103 طائرات صغيرة مسيّرة،  Autonomous Micro-Drones Swarms، ستمكّن رجال العسكرية الأمريكية من ”استخدام هذا السلاح المتطوّر الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في وجه خصوم محتملين”!! طائرات بدون طيار بها أجهزة راديو و أنظمة بعث رسائل الواحدة إلى الأخرى، مرات عدة في الثانية الواحدة! أسراب تطير بسرعة أكبر من 68 ميلا في الساعة، ويمكنها مع ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية على علو منخفض أرضا وجوا وبحرا!

وزارة الدفاع الأمريكية أوضحت أن ”التجرية تمّت في شهر أكتوبر، بولاية كاليفورنيا، وشملت 103 طائرة   برديكس،صغيرة كانت محمّلة على3 مقاتلات من نوع F18 هورنيت، F/A-18 Super Hornets.

قفزة عملاقة أمكن تحقيقها من خلال ”تطوير برامج الذكاء الاصطناعي التي قد يفسح المجال أمام القدرة على ”ترويض” أسراب من الروبوتات الصغيرة وتنويع استخداماتها في لحظة فارقة أمريكيا وعالميا!! غير مكلفة الإنتاج وقادرة على اختراق دفاعات الخصوم بفضل صغر حجمها حتى أن طولها لا يتجاوز حوالى الـ16 سنتمترا، وسرعتها الفائقة العصية على تعقّب عدسات التصوير والرادارات، وكثرة أعدادها وتنوّع أحجامها وأدوارها، يوليها الأمريكيون أعلى درجات الاهتمام، عسكريون ومدنيون!!”.

حتى أنّ طلاّب هندسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، MIT Lincoln Laboratory، هم ”من صمّم طائرات ”براديكس” المسيّرة منذ 2013، ويتم تطويرها -باستمرار- مع الاستفادة من التقدّم العلمي والتقني”.

مدير مكتب القدرات الإستراتيجية، the Strategic Capability Office - SCO-، وليام روبر، William Roper، أوضح أنّ ”الطائرات المسيّرة، ليست مُبرمجة مُسبقا وإنّما تتصرّف كجسم جماعي يتقاسم عقلا واحدا لاتخاذ القرار والتكيّف مع بعضها كما يفعل أيّ سرب في الطبيعة”!!

تعريفها

سرب البارديكس - Perdix، هي عبارة عن مجموعة طائرات بدون طيار صغيرة، قادرة على أداء مهم استخباراتية من علوّ منخفض أو على المراقبة والاستطلاع (ISR) وغيرها من الوظائف التجسّسية أو القتالية.

لمحة تاريخية عن البرنامج 

تم تطوير برنامج بارديكس من قبل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وتحديدا، مختبر لينكولن في عام 2013.

لماذا إسم بارديكس؟

في الأساطير اليونانية، فان الطالب Perdix قد نجا من موت مؤكد حين حولته أثينا إلى طائر صغير بعد أن دفعه عمه الغيور ديدالوس - Daedalus، من برج شاهق. ووجه الشبه أن يطلق العسكريون الأمريكيون بارديكس من المقاتلات الأمريكية على أن يتعلّم التحليق بمفرده!!

الإختبارات السابقة؟

منذ 2013 ثم تولّت مدرسة سلاح الجو اختبارا تجريبيا في قاعدة إدواردز الجوية في سبتمبر 2014. وفي سبتمبر 2015، تم إجراء 90 اختبارا آخر شملوا المراقبة البحرية وكان السرب الواحد مؤلفا من 20  طائرة بدون طيار.

ما مستقبله؟

يتم تحديث هذا البرامج تماما كما أجيال الكثير من الهواتف الذكية، وهو الآن في جيله السادس!

لهذا النوع من الطائرات استعمالات متعدّدة من الرصد إلى التنصّت إلى التقاط وتخزين الصور إلى المسح الميداني، فتسجيل المكالمات الهاتفية. كما يمكن تحويلها إلى طائرات مقاتلة حين تُزوّد بالصواريخ والقنابل، وتكفي كبسة زرّ ما في مكان ما، من غرفة قيادة تقع على بعد 10.000 كلم، لتدمير الهدف المرصود. عدد ضحايا هجمات هذا النوع من الطائرات التي استخدمت بأفغانستان والعراق وباكستان وليبيا، وتُستخدم اليوم باليمن وتونس والصومال والقرن الإفريقي، فاق في باكستان وحدها الـ 2000، أي بمعدّل 10 إلى 15 مدني على كل مسلّح، دون أن يرفّ لحامل جائزة نوبل للسّلام، جفن أو يعدّل حتى من وتيرة الهجمات التي تتمّ دون مساءلة وفي خرق لقوانين الحروب وتعدّ على سيادة الدول المعنية!

يتمّ كل هذا في تناغم وتنسيق بين سرب الطائرات المسيرة التي تتولىّ توفير المعلومات واستقبال وتبادل وتحليل قاعدة البيانات في سرعة قياسية، ثم أخذ التدابير الضرورية للتعامل مع الهدف وتصفيته.

لن يحدث هذا الخيار العسكري تغييرا جذريا في الفكر الإستراتيجي الحربي فحسب، بل لا نستبعد مطلقا أن يؤجّج نار سباق عالمي محموم نحو التسلّح بهذه التكنولوجيا، حتى أن 50 دولة قد أقدمت على اقتناء طائرات دون طيار قصد المراقبة أو الهجوم!!! كنيث أندرسون - neth Anderson ، أستاذ القانون بالجامعة الأمريكية والمختص بدراسة مدى قانونية استعمال هذه التقنية بالحروب، يصرّح: ”هذا هو النهج الذي ستسلكه كل شركات تصنيع الطائرات، خصوصا أن العسكريين يعتبرون الطائرات دون طيار سلاحا غير مكلف وعالي الفعالية.”! فإذا كان سعر آف 22-F الواحدة، يبلغ 150 مليون دولار، فإن تكلفة البريداتور بي - Predator B، أو الآم كيو ريبار - MQ Reaper، مثلا، لا يتجاوز 10 ملايين دولار! فما بالك بأحجام أصغر وأقلّ كلفة وأكثر فاعلية! الجيل السادس - The 6th Generation، من هذه ”الكائنات” يا سادة!!!

تصوّروا للحظة سربا من الطائرات دون طيار، والتي تعتمد أنظمة تسيير ذاتية تخوض بنفسها حربها في تناغم وتنسيق ودون تدخّل إنساني! أ ليس وليام روبر، من قال بعد التجربة الأخيرة: ”كلّ طائرة من نوع ”بارديكس - Perdix” تتواصل وتتعاون مع أخرى. ليس للسّرب قائد ويمكن بسلاسة أن يتكيّف مع انضمام طائرة مسيّرة جديدة إليه أو مغادرتها له في حال إصابتها على سبيل المثال”؟!! ليس ذلك خيالا علميا ولا ”ترفا تقنيا” لمجرّد التسلية!! بل ستدخل قريبا في الخدمة العسكرية قريبا! عسكرة الفضاء وتوظيف آلات النانو-تكنولوجيا (التقنيات المتناهية الصغر)، والقفزات المذهلة المحقّقة في مجال المعلوماتية، المتطوّر أبدا، والاستفادة من التقدّم المذهل، الذي تشهده صناعة الهواتف الذكية، وفق البنتاغون، في عز الثورة السيبيرية، كل ذلك مُنذر بانبلاج فجر حروب تكون فيه الحرب غير التقليدية، مجرّد نزهة!!

إلى متى سنظلّ حقول التجارب ومسارح حروبهم التي يتحكمون فيها عن بعد؟؟

 

نبيل نايلي

باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس

nabilnoyelle@hotmail.com

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار