مساهمة في كتابة تاريخ حركة التحرر الوطني

مذكرات مناضل أوراسي الشباح مكي

امتثل الجميع لهذا الرأي وبدأ العمل بجد في إعادة بناء الديار وحفر الآبار، وساعدتنا الحكومة بطلب منا على بناء مدرسة ومركز ثقافي، ولما أتى وزير الزراعة الجديد قريتنا خلال جولة قام بها في ناحيتنا استقبلته مع فريق من السكان، وكان بصحبته مسؤول الحزب المذكور سابقا، وبعد إلقاء الخطبة التقليدية أرادوا العودة في الحال بحجة أن أعمالا ضخمة في انتظارهم، غير أنني توجهت للوزير وبعد التحية قلت له، إن لهؤلاء الفلاحين يا سعادة الوزير، الذين أتوا من اماكن بعيدة لاستقبالكم، مطالب عديدة يودون اطلاعكم عليها، فقال مسؤول الحزب إن مطالبكم كلها محفوظة لدينا، فتناولت الكلمة من جديد قائلا: يريدون يا سعادة الوزير إبلاغك شفويا اياها، وأرجوا ن تتفضل قبل كل شيء لمشاهدة مساكنهم، فتبعني، ولما شاهد تلك الغيران تنفس الصعداء واستغرب وأعضاء الوفد المرافق له تلك الحالة، فتقدمت له امرأة عجوز بثياب رثة فتك بها البؤس من كل جانب ويعلو وجهها الشاحب وثيابها الغبار مستحيرة قائلة: منذ اليوم الأول يا سيدي الوزير من ابتداء الثورة والجيش الفرنسي يطاردنا، وكنا نقدم لجيشنا كل ما لدينا من مؤن وذخيرة، وقد توفي زوجي تاركا خلفه هؤلاء الأولاد ولم نتراجع قيد أنملة عن القيام بواجباتنا المقدسة طيلة أيام الحرب، وكنا نمني أنفسنا بالآمال في الحياة الكريمة والسعادة بعد الاستقلال، وها أنت تشاهد اليوم ما أنا عليه وأولادي الصغار الذين قتل ابوهم ليسعد أبناءه من بعده، فمنذ الاستقلال ونحن مدفونون أحياء في هذا الغار، وليس لدينا سوى بئرا واحدا، وكم من طفل وامرأة سقطت به ولقيت حتفها، وقد تسلطات علينا العقارب التي ذهب ضحية لدغها السام بعض الأطفال لفقدان الادوية.

اكفهر وجه الوزير لدى سماعه تلك الأقوال، ولرؤيته والوفد المرافق له تلك الحالة الكئيبة البائسة وصرخ في وجه الوالي ومسؤول الحزب قائلا: ألم ترسلوا الادوية الى هؤلاء، فأجبته، كلا وليس في تناول هؤلاء سوى الموت التي تخطف احدهم من آن لآخر دون اي علاج، كيف تتركونهم؟ أضاف الوزير في مثل هذه الحالة البائسة، مع أننا نرسل لكم الاموال الطائلة لإسعافهم والقيام بما يحتاجونه من مختلف المشاريع؟. وتقدم شيخ طاعن في السن يشكو حاله، وكان له ولدان يقومان بإعالته استشهدا في صفوف جيش التحير وبقي وحده، لولا وجود من يعطف عليه من الاقارب والسكان لمات جوعا، وأقدم جندي من قدماء المجاهدين شوهه الحرب الحريرية، لم يلق رغم شكواه اي مساعدة. وحاول آخرون التقدم فطلبت منهم الكف عن تقديم الشكايات بقولي: إن ما شاهده سيادة الوزير فيه الكفاية، وتقدمت في نفس الوقت للوزير باقتراحين:

1 ـ مساعدة هؤلاء الفلاحين على حفر الآبار الارتوازية،

2 ـ إقامة بعض السدود لحصر المياه لهم ، ثم اضفت قائلا إن هذه التربة يا سيادة الوزير اخصب من اراضي المتيجة التي تفتخرون بها، إذا توفرت المياه بها، ورجوته الذهاب صحبتي لمشاهدة خصوبتها، فسار معي والوفد المرافق له نحو بئر كنت بنيتها لري الخضر، فاستغرب فور وصوله رؤية تلك الغابة من مختلف الخضر، وطلب مني اسم شجيرة صغيرة جلبت انتباهه، إنها بصلة يا سعادة الوزير ، وعند فحصه جذورها تبين له وجود 12 بصلة تفرعت عن بصلة صغيرة واحدة.

ودعنا الوزير والوفد المرافق له وعادا إلى باتنة، بعدما وعد بمساعدتنا بكل ما نحن بحاجة اليه، وقد قيل لنا إنه اجتمع لدى وصوله إلى باتنة بأعوانه بدلا من البحث في قضية المساعدة التي وعدنا بها، قال للمجتمعين: يبدو لي أن هذا الرجل الذي قابلنا في المزريعة خطير ويفسد علينا أعمالنا، فأجابه احدهم: إن هذا كل ما لدينا في الأوراس، وهو رجل صالح ومناضل قديم، الدليل على ذلك تجنيده الفلاحين للقيام باعمال عجزت الحكومة عن القيام بمثلها. غير أن الوزير لم يلبث سوى بضعة آشهر حتى فر من الجزائر الى فرنسا، وبقيت أنا في المزيرعة لمواصلة عملي بين إخواني الفلاحين.

قيل لي يؤمنذ لقد حكمت على نفسك بالشقاء مع فقراء الفلاحين، اما الاخرون فهم ينعمون بالمزارع والمخازن والقصور والأموال التي استولوا عليها مع انهم لم يشاركوا مثلك في النضال لا من قريب ولا من بعيد. إنني كافحت - قلت لهم - لكي يسعد الشعب بأجمعه، لا لكي أسعد أنا وحدي على اكتاف الشعب، لا لكي استولي على القصور والمتاجر والمزارع، لأن تلك صفات الانتهازيين والمحتالين الذين يعيشون كالعلق على جبين الشعب ومن امتصاص دمه. وعليه فإنني مازلت بينكم اقاسمكم شظف العيش والمصير لأن تحسين حياتي مرتبط بتحسين حياتكم، ولو استوليت كما استولى الوصوليون من عديمي الشرف والاحساس الوطني والاجتماعي، على المزارع والمتاجر والقصور، لقلتم لي حينئذ لقد فارقتنا وعلوت علينا وتبرأت منا ومن ماضيك المجيد لهذا، بقيت معكم في السراء والضراء كما كنت معكم في المعارك، ضد جبروت المستعمرين الفرنسيين حتى تحقق الاستقلال، واليوم تروني بجانبكم في معركة البناء ومحاربة الرجعيين والانتهازيين والخونة.

اجتاحت الفيضانات عام 1966 المزروعات وبعض المنازل من قريتنا وتصدعت البئر التي بنيتها، فطلبت من السيد الوالي قرضا لمساعدتنا على ترميم ما افسدته الفياضانا، فرفض طلبنا، فاضطررت إلى الذهاب اليه ومقابلته في باتنة، وشرحت آمامه ما لحق بنا من أضرار الفيضايات، وطلبت منه قرضا بمائة ألف فرنك لترميم البئر التي اصبحت على وشك الانهيار، فأجاب: ليست لدينا الدراهم للقرض، فقلت له: ألم تحصلوا على مبلغ 75 مليون فرنك لمساعدة منكوبي الفياضانات فأجاب: من أعلمك بذلك؟ اعلمتني الجرائد يا سيادة الوالي. قدم لنا طلبا كتابيا أجاب الوالي، أجل - قلت له - لو أقدم لكم طلبا اليوم فلن يأتي الجواب الا بعد بضعة أشهر، اي بعد خراب البحيرة لأن البئر على وشك الانهيار، وستكون النتيجة ضياع ولاسيما عائلتي وابنائي الصغار، فمن المسؤول عن ذلك؟ لا شك أنك ستكون المسؤول الاول عن هذه الكارثة؟ غير أنه أصر على عناده وصرفني من مكتبه بخفي حنين، ولم أحصل بالنتيجة على مساعدة، فتهدمت البئر وتلفت المزروعات وضاع النخيل.

لم يكتف السيد الوالي بمنع القروض عني وعن قريتنا بل اصدر أمرا الى كوميسارية الشرطة بإخراجي بالقوة من المنزل الذي اقيم فيه في باتنة. علمت بذلك عن طريق احد اصدقائي من جنود الشرطة، ذهبت حالا إلى دار الولاية فوجدت كاتب الوالي، ورئيس مكتبه، والمسؤول عن المساكن الشاغرة مجتمعين، فقلت لهم: لحسن الحظ جمعكم اللّه لكي لا يقول كل واحد منكم إن الامر ليس لي، فأجاب احدهم ما القضية؟ فقلت لهم علمت بإصداركم امرا بطردي من منزلي دون انذار وقد اتيتكم لاصدار أمرا آخر بابعادي عن البلاد، لكي تستريحوا من رجل يقف حسب رأيكم حجر عثرة أمام تقدم الجزائر، فأجاب وأين ستذهب؟ سأذهب قلت له إلى فرنسا.

اتذهب الى بلاد كنت تقاومها بالامس؟ اجاب احدهم، وأنت لاسيما من المناضلين القدماء؟ فقلت له: ومن أين عرفت انني مناضل؟ هل اتيتكم بطلب مساعدة أووظيفة بصفتي مناضلا؟ أجاب كلا، ولكننا نعرفك جميعا بأنك مناضل قديم، وإن امر طردك من منزلك لم يصدر من عندنا ولامن عند الوالي، بل من منظمة الحزب لإسكان المسؤول، فقلت لهم اسحبوا أمر الطرد من الكوميساريا، وأنا سأتدبر الامر مع الطرد وأعلموا الحزب بإصراري على البقاء في المنزل.

استدعتني المنظمة الحزبية فيما بعد، وذهبت في الموعد المحدد فوجدت شابا لا يتعدى العشرين ربيعا من عمره، قابلني بجفاء وأمرني بنبرة جافة بالخروج من منزلي، ولماذا؟ أجبته، لاننا بحاجة الى إسكان أناس أتوا من الخارج لتعليم أبنائنا القراءة، أجاب الفتى، نعم الرأي، قلت له ولكن أليس من الافضل ايها الشاب المحترم، إذا كنت حقا كما تزعم أنك مناضل ومخلص، وذو غيرة على تعليم أبنائنا الصغار القراءة والكتابة، أن تقدم لهؤلاء المعلمين الأجانب منزلك الذي اغتصبته بطرق غير شرعية، وتصرفت بما فيه من أثاث أو متاع بلا مقابل، وانت شاب أعزب تعيش بمفردك، وهو أكبر من منزلي، أما أنا فلدي عائلة كبيرة وستة أطفال، انني دعوتك - أجاب الفتى - لكي تخرج من المنزل الذي تقيم فيه وليس لتقديم اقتراحاتك لنا، كأنك انت الذي تحكم هنا وليس نحن: قلت لك يجب عليك أن تخرج غدا من المنزل، فيجب عليك أن تخرج دون لف ولا دوران، ودون زيادة في الكلام، هل فهمت؟ - أجل وأنا اقول لك إنني لن أخرج حيا من منزلي، هذه آخر كلمة أقولها لك باختصار وافعل ما بدا لك.

ذهب الشاب في الحال الى رئيس بلدية باتنة، وأعلمه بما تم لي معه، وأضاف: إن الشباح رجل فظ، وليس على صواب في تعنته ورفضه الخروج من المنزل الذي يقيم فيه. فأجابه رئيس البلدية: لأشك بأنك تعرفه وأعرفه أيضا أنا، انه من الاوائل الذين نظموا الثورة في الأوراس قبل أن تخلق أنت على وجه الأرض، وهو الوحيد هنا في باتنة الذي قدم له منزل بأمر من رئاسة الحزب والحكومة، وفي ذلك خير دليل على ماضيه المجيد. عاد الشاب فيما بعد الى مركز الحزب واستدعاني مرة أخرى لمقابلته، ولما ذهبت اليه قابلني ببشاشة واحترام معتذرا عما بدا منه نحوي، ثم أضاف: لقد عرفني رئيس البلدية بماضيك المجيد لهذا أرسلت في طلبك لكي نتسامح بعدما اوقعني الآخرون في الخطأ، الحمد للّه، قلت له جعلتك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ثم ودعته وعدت أدراجي، وبعدئذ التقيت برئيس البلدية الثوري، وهتافاتهم بحياة الثورة وبالتدابير التقدمية في الوقت الذي كانوا يعملون فيه على تخريبها ونسفها وعلى توسيع شقة الخلافات بين الحكم التقدمي والجماهيري الشعبية العاملة والفلاحين، وعندما ينتقد أحد اعمالهم التخريبية يسلطون عليه العذاب والرقابة ويجيبون أن الحكومة هي التي تأمرهم بارتكاب تلك المنكرات، ويتهمون من ينتقد أعمالهم التخريبية بالخروج عن طاعة الحكومة منهم من كان يتظاهر بالغيرة على مصالح الشعب، غير أن الحكومة على حد زعمه بأجهزتها البيروقراطية هي التي تحيل بينه وبين القيام بواجبه تجاه مواطنيه. لهاذا فقد كانوا على رأي المثل الشعبي ”يلعبون على الحبلين”.

أقرضني بعض الاصدقاء أجرة السفر للعمل في فرنسا، بعدما أقفل هؤلاء المتآمرون كافة ابواب العمل في وجهي بالجزائر، وحرموني وعائلتي من كل وسيلة للعيش لا في القرية ولا في المدينة، وأصبحوا وكأن لا لهم سوى مراقبتي والاطلاع على كل كلمة الفظها، وعليه لم أرد الهجرة الى ارض فرنسا وترك بلادي العزيزة إلا طلبا للعيش، وتجنبا لمؤامرات هؤلاء اللصوص المستترين بالوظائف مع أنني بدأت منذ عام 1963 في تشجيع العمل الجماعي والسير على هدى المبادئ الاشتراكية، أي منذ ذهابي الى قرية المزيرعة وتجديد مع باقي السكان بنائها بواسطة العمل الجماعي، بعدما تركتها الحرب قاعا صفصفا، لا دار فيها حتى ولا نخلة واحدة، الى أن وصلتها الحكومة فوجدتها قرية مزدهرة ذات طابع جماعي، واهتدى السكان بواسطة توجيهاتي إلى حفر الآبار الارتوازية، وغرس النخيل من جديد في نواحي المزيرعة وسيدي الصالح وغيرها وكذلك في سيدي عقبة ونواحيها، غير أن تكاثر الأعداء على مقاومتى مقامة تلك المشاريع ذات الطابع الاجمتاعي، وانعدام المساعدة والقروض من جانب الحكومة حال بيننا وبين انجازها.

طلب مني سكان العرش في قرية المزيرعة ونواحيها ترشيح نفسي لاول انتخابات المجالس الشعبية البلدية 1967 فرفضت، ثم أتى نائب الوالي صحبة احد رجال الجيش وطلب من سكان المزيرعة ترشيحي لهذه الانتخابات، فأجابوهم لقد عرضنا عليه امر ترشيحه فأبى أن يتقدم، سنكتب له رسالة، أجاب نائب الوالي، على أن تكلفوا أحدكم بايصالها في باتنة له.

فلما أتى الرسول وقرأت الرسالة وامتثلت لأوامر السلطات المحلية.

يتبع

 

 

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار