مساهمة في كتابة تاريخ حركة التحرر الوطني

مذكرات مناضل أوراسي الشباح مكي

وبعد بضعة أيام عقد اجتماع كبير في قرية امشونش لعرض أسماء المرشحين، وطلب مني نائب الوالي في آريس المشاركة في هذا الاجتماع فرفضت معللا امر رفضي بقولي: إذا حضرت الاجتماع فإن المجتمعين سيخجلون من انتقادي في حضوري، أما في غيابي فإنكم ولا شك ستجدون من ينتقدني، فأجاب: لم اسمع قط في حياتي مثل هذه الاقوال من أحد سواك، أجل قلت له انني شيوعي أحترم حرية انتقادي الذي بدونه يصعب التغلب على مؤامرات الأعداء وتحسين الانتاجية والانتاج، وستجدون من ينتقدني لكوني شيوعي. دخل الحاضرون قاعة الاجتماع وبقيت وحدي خارجها وعند عرض اسماء المرشحين حمي وطيس المعركة، وأخذ المرشحون في هجاء بعضهم بعضا، وكل منهم يسعى لتقديم نفسه او ترشيح أحد أنصاره، واخذت التكتلات الاقليمية والقبلية تطغى على المناقشة والمجتمعين، ولما عرض عليهم سي الدراجي ترشيحي بقوله: ماذا تقولون في ترشيح الشباح مكي، فرفض اثنان من المجتمعين ترشيحي وحجتهم الوحيدة هي كوني شيوعيا، حقا إنه شيوعي - اجاب سي الدراجي - وقد صرح لنا في رسالته هذه التي وقعها بخط يده بأنه شيوعي، ولكن نحن نريد معرفة مواقفه السابقة والحاضرة، هل كان من أعوان الاستعمار أومن اعداء الثورة، وهل مواقفه اليوم مناهضة لسياسة الحكومة والشعب؟ فأجابوا كلهم ما علمنا عليه من سوء ولا نشهد فيه من هذه الناحية إلا الخير.

يبدو لي - أجابهم سي الدراجي - أنه افضل منكم على الإطلاق، لا أحد منكم يقوم بانتقاد اعماله أو بالطعن في ترشيحه بينما إن أحدا منكم لم يسلم من الانتقاد والطعن. وعند انفضاض الاجتماع مال نحوي نائب الوالي في آريس وكذلك سي دراجي قال لي: لم ينجح أحد سواك في هذا الاجتماع لأن أحدا لم يطعن في ترشيحك، ولم يتقدم سوى اثنان من المجتمعين للنيل منك بتهمة انك شيوعي، أجل قلت لهم وقد اعلمتكم مقدما بذلك.

وقبل الانتخابات بيومين سربت إشاعات سرية للفلاحين بان السلطات المحلية ألغت ترشيح الشباح مكي لأنه شيوعي وحذرت الناس من انتخابي، ولم يدع دوار تاجموت للمشاركة في الانتخابات لأن المعروف عنه انه شيوعي، ولن ينتخب الشباح مكي، وقد علمت من بعض الفلاحين ممن وعدوني بانتخابي بأنه تلقى وزملاءه امرا بعدم انتخابي، وأرغمت على التصويت حسب الأوامر المعطاة لنا، انني على علم بهذه المناورات - أجبته - ولهذا حاولت منذ البدء الابتعاد بقدر استطاعتي عن هذه الإنتخابات، لان هؤلاء الخونة الحاقدين على الاشتراكيين يهدفون بمثل هذه التصرفات السالفة للحط من معنويات المناضلين التقدميين وإرغامهم على الخضوع لمشيئتهم، والصمت امام ما يرتكبون من سرقات واختلاسات ومن تعديات على حقوق شعبنا الديمقراطية.

قصدت مكتب الحزب في باتنة فوجدت فريقا من اعضاء الحزب فقلت لهم: أرغمتوني على ترشيح نفسي للانتخابات ولما أجبتكم بأنني كبيرفي السن لا قدرة لي على الحركة والقيام بهذه المهمة، ورجوتكم ترشيح المناضلين الشبان الجدد قلتم لي: ليس لدينا رجالا مدربون على حل ما يعترض سبيل المجالس الشعبية البلدية من مشاكلل يومية، وفرضتم علي ترشيح نفسي فرضا، وقبلت هذا الترشيح، لماذا إذن تتظاهرون علنا في ترشيحي للانتخابات وتطلبون سرا من الناس عدم انتخابي لأني شيوعي، انكم منذ زمن بعيد تتبعون مثل هذه الأساليب ضدي ولكن هل نجحتم في اساليبكم هذه؟ هل انقصتم من قدري بين الناس؟ ثم توجهت الى المسؤول بقولي: لو اتبعت تجاهك نفس الأساليب التي تتبعها تجاهي لما بقيت إلى اليوم في منصبك هذا، إنني منزه عن القيام بمثل هذه الاعمال الدنيئة، فأجابني احدهم، لا تغضب يالشيخ لقد نجاك اللّه من هذا الوظيف.

ـ إنني - قلت له - لم أطلب هذا الترشيح، انما هم الذين أرغموني عليه وعلى كل حال لن اترك هذه اللعبة الساقطة تمر دون رفع الستار عن هؤلاء ذوي الأوجه المتعددة، والرسول (ص) يقول: ”لا تكن ذا وجهين إنما المؤمن من ذا وجه واحد ”، وقال ”لعن اللّه ذي الوجهين ”. إنكم تعرفوني بأجمعكم اني لم اتهالك يوما ما على حب الوظيف والرئاسة، ولم أتقدم نحوكم بأي طلب من هذا القبيل.

إنني عرفت منذ البدء الهدف من تقديمكم بعض المناضلين القدماء لهذه الانتخابات، لأنكم خشيتم مقاطعة الشعب لها لعدم ثقته بكم هذا من جهة، ولتمرير أصدقائكم في الساعة الأخيرة تحت ستار قدماء المناضلين من جهة أخرى، تلك هي أهدافكم الشريرة.

طلب الوالي من الشرطة إبعادي من باتنة، وكان جوابهم هو: ليس باستطاعتنا ابعاده في الوقت الذي نحن فيه مكلفون بمراقبة أعماله، اللهم إلا اذا وجدناه يتآمر على أمن الدولة، عندها فقط نعمل على ابعاده أو تقديمه للمحاكمة، أما إذا اردت إبعاده بأمر منك فهذا يتعلق بك وحدك. عندئذ تراجع الوالي عن عزمه هذا، وأخذ يتآمر على كيفية إخراجي من منزلي الجديد لتقديمه لصديقه مسؤول الحزب الذي اصبح عضوا في المجلس البلدي ومسؤولا حزبيا، أما الشباح مكي فهو شيوعي، وكم من مرة طلب مني رجال الامن الوطني إقامة ملف بنضالي القديم كما فعل الكثيرون من قدماء المناضلين، الذين عوضتهم الدولة ما أضاعوه خلال نضالهم السالف، ولا سيما وانت أحق من الكثيرين منهم بهذا التعويض بسبب ماضيك في النضال ضد المحتلين الفرنسيين وأعوانهم الاقطاعيين، وما لحقك من الأضرار بسبب ذلك النضال من معاملات وسجن و؟ ألا تشاهدون - اجبتهم - مايحيكونه من مؤامرات حولي لإخراجي من منزلي قدمته لي الحكومة فكيف باقامة ملف لي، ثم كيف ترون مطالبة الحكومة بتعويض عن نضال قمت به منذ سنين عديدة بملء إرادتي ضد الغاصبين واعوانهم الرجعيين، دفاعا عن النفس وحقوق إخواني العمال والفلاحين المتدهورة.

إذن ليس من المعقول أن أطالب بشيء لم افكر في المطالبة به طيلة حياتي، كما لم أقم بذلك الكفاح بمفردي بل مع حزبي الشيوعي الجزائري، وكان الهدف ليس الحصول على مكافأة إنما من أجل تحرير وطننا من مخالب الغاصبين وأعوانهم واقامة العدالة الاجتماعية، وقد تم تحرير وطننا من مخالب الغاصبين واعوانهم واقامة العدالة الاجتماعية، وقد تم هذا التحرير والحمد لله وأخذ شعبنا يتذوق نعمة الاستقلال والديمقراطية، وتلك هي أكبر مكافأة.

كان أعوان الاستعمار قبل الثورة يعملون في احسن الاحوال من أجل تثبيط عزيمة المناضلين بأقوالهم: كيف يستطيعون يا زمر المغامرين التغلب على فرنسا ذات الأساطيل الجوية والبحرية والارضية، تتلك الأساطيل التي تعززها قوى حلف شمال الاطلسي، أما أنتم ايها الحفاة العراة فانكم عاجزون عن صنع ولو إبرة لترقيع ثيابكم المتهرئة. بقيت تلك الكلمات تدور في خلدي لم انساها طيلة حياتي، ولحسن الحظ التقيت بعد الاستقلال بالبعض من اولئك الذين كانوا يقدموننا بمثل هذه الاقوال، وقلت لهم: ها هي الجزائر تحررت قبل أن تصنع الإبرة. ألم اقل لكم بأن الجزائر ليست بحاجة الى صنع الابر اليوم بل بحاجة إلى صنع الرجال الملتزمين الصناديد وبعث فيهم روح التضحية والإيمان الوطني والاستقلال والعدالة الاجتماعية، ألم نكن على حق - قلت لهم - عندما كنا نطالب جماهير شعبنا العامل والفلاحين باتباع هذه الطريق الكفيلة وحدها بتحرير وطننا؟ ألم نكن على حق عندما نبذنا اقوالكم هذه والقيناها ظهريا؟ واخذنا في صنع الرجال الذين كنتم تستهزئون بهم وتحتقرونهم، وتقولون لنا إنكم تعلمون البقر وتطرقون حديدا باردا.. كل هذه العبارات وغيرها سمعناها منكم، عندما كنا نخاطب العمال والفلاحين ونعمل على تنظيمهم اليس كذلك؟ وهل كذبت عليكم؟ فأجابوا أجل إننا رددنا مثل هذه الاقوال ونسيناها ولكنك لم تنساها واتيت اليوم توبخنا عليها، حاشا قلت لهم، إنني لا اقصد توبيخكم، واللّه على ما أقول شهيد وإنما اردت تذكيركم عملا بقوله تعالى: ”فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ”، لكي تعتبروا وتعودوا الى الطريق السوي طالما أن في إمكانكم ذلك.

أتاني يوما شابا لا يتجاوز 25 عاما حولا يطلب مني اسم أبيه إطلاعه على تاريخ ونشاط الاحزاب السياسية التي وجدت قبل اندلاع الثورة في الجزائر، ولما سأله، عن السبب اجاب: أريد تأليف كتابا عن تاريخ الثورة الجزائرية لذلك فإني بحاجة الى معرفة العوامل الاساسية التي أسهمت في تفجير هذه الثورة، ودور الحزب الوطني الاشد تأثيرا على الجماهير فيها، وقد قيل لي بأنك مناضل قديم وعلى علم بحقائق الأوضاع انئذ، لذلك قصدتك لمساعدتي في مهمتي هذه. بكل سرور - أجبته - لاسيما أن أباك من اصدقائي القدماء. 

كان حزب ـ حركة الانتصار للحريات الديمقراطية ـ أكبر حزب وطني قبل الثورة في الجزائر، ويليه حزب ـ الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ـ وكان حزب البورجوازية الجزائرية الناشئة، وكانت له اتصالات وثيقة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإصلاحي، ثم الحزب الشيوعي الجزائري، وكان يتولى قيادة الحركة النقابية، ونقابات عمال الزراعة، وجمعيات صغار الفلاحين والشبيبة الديمقراطية، أما حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية ـ أكبر حزب وطني قبل الثورة في الجزائر ـ ويليه حزب ـ الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ـ وكان حزب البرجوازية الجزائرية الناشئة، وكانت له اتصالات وثيقة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإصلاحية، ثم الحزب الشيوعي الجزائري، وكان يتولى قيادة الحركة النقابية ونقابات عمال الزراعة، وجمعيات صغار الفلاحين والشبيبة الديمقراطية. أما حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية فقد انشق قبيل الثورة على نفسه عام 1954 الى فريقين متعارضين، دعي الفريق الاول بفريق المصاليين أي أتباع مصالي الحاج زعيم الحزب قبل الانشقاق، ثم دعي نفسه فيما بعد بـ - الحركة الوطنية الجزائرية ـ وذلك إثر مؤتمر عقده هذا الفريق في بلجيكا، وانتخب مصالي يومئذ رئيس للحزب مدى الحياة.

سألني الشاب عن دواعي ذلك الانقسام وأسبابه فأجبته بقولي: كانت لذلك الانقسام عدة أسباب، ومنها قرار المركزيين، وتتألف اكثريتهم الساحقة آنذاك من الشبيبة المثقفة، للانفتاح، نحو باقي القوى والاحزاب الوطنية حتى الجناح الليبيرالي لدى المتوسطين الفرنسيين، ويقاومون السلطة المطلقة التي كان يحاول مصالي وأتباعه فرضها على الحزب، اتهم المركزيون مصالي بالدكتاتورية وبعدم الرؤية الصائبة لتطور النضال الوطني والاجتماعي في الجزائر، وللتبدل العميق في توازن القوى لصالح الاتحاديين قوى التحرر الوطني والاجتماعي المتصاعدة، التي كان مصالي يقف دوما في وجه اتحادها وتلاحمها في النضال اليومي لمجابهة عدوان المستعمرين الفرنسيين، وقمعهم المتزايد وانتزاع مكتسبات وطنية واجتماعية جديدة، كما كان يتجاهل دور الحركة العمالية المتعاظم في هذا النضال، مما كان يؤدي الى عزل حزبه عن باقي القوى الوطنية والاجتماعية وعن الحركة العمالية بالخصوص.

يقال بهذا الصدد أن مصالي كان معارضا للجبهة الوطنية للدفاع عن الحريات واحترامها التي تالفت في شهر أغسطس 1951 من الاحزاب الوطنية الثلاث.

حركة الانتصار للحريات الديمقراطية ـ الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ـ الحزب الشيوعي الجزائري والحركة النقابية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الاصلاحية ـ واتهم مصالي المركزيين بالانحراف عن الخط الثوري والانعماس في المخططات الانتهازية، ولاسيما فيما يتعلق بمواقف نوابهم في المجالس البلدية وتورطهم في بعض القضايا مع المستوطنين الليبراليين أنصار ججاك شيالي الذين كانوا يدعون إلى التفاهم والتعاون مع انصاف الثوريين من المثقفين الجزائريين، ولاسيما من أبناء البورجوازية الكبرى والمتوسطة.. قلت لمحدثي تلك بعض الأسباب التي ادت الى انشقاق هذا الحزب على نفسه.

يتبع

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار