مساهمة في كتابة تاريخ حركة التحرر الوطني

مذكرات مناضل أوراسي الشباح مكي

ثم سألني الشاب عن معنى الاشتراكية والنظام الاشتراكي؟ فكان جوابي: تعني الاشتراكية في عصرنا هذا تأميم وسائل الإنتاج الاساسية من معامل ومصانع ومؤسسات كبيرة ومواصلات برية وبحرية والتجارة الخارجية منها والدخلية الكبرى مع كافة الثروات الوطنية الطبيعية، سواء كانت فوق الأرض أو في باطنها، وتأميم الملكيات الكبرى للأراضي وتوزيعها على الفلاحين المعدمين والفقراء، وإنشاء التعاونيات الفلاحية لتأمين استغلالها، وجعل كافة هذه التأميمات ملكا للشعب بأسره تسيرها الطبقات الكادحة والمنتج والحكومة الشعبية الديمقراطية المنبثقة منها، وتعود فوائد مردود الإنتاج والتجارة في هذه الحالة لا إلى خزائن كبار الفلاحين والرأسماليين والمستغلين لتبديدها على شهواتهم الخاصة، بل تعود إلى خزينة الدولة، أي الأمة، لكي تصرف على تحسين معاش الكادحين وسبل حياتهم، و بالاخص بناء المدارس والمستشفيات وديار الثقافة وعمارات السكن للكادحين والطرقات والمصانع الجديدة، إلى ما هنالك من الاعمال التي تعود بالفائدة على مجموع شعبنا الجزائري. وعليه فإن النظام الاشتراكي هو خير نظام وجد على وجه الأرض في تاريخ المجتمع البشري، لأنه يؤمن تحقيق العدالة الاجتماعية لكافة الكادحين. ولن تتحقق الاشتراكية إلا على يد الاشتراكيين الملتزمين وطبقتهم العاملة، وللاشتراكية شروط كبيرة ومن أهمها وجود حزب الطبقة العاملة الطليعي على رأس الحكم، ولن تتحقق الاشتراكية على أيدي اعدائها من أبناء العناصر الرجعية والبورجوازية وأعوانها المحتلين والمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وبهذا الصدد يقول زعيم الاشتراكية العالمية لنين: إننا نخشى اتساع الحزب اتساعا يفوق الحد، لأن هناك وصوليين ونصابين لا يجدر بهم سوى الإعدام يوميا بالرصاص يسعون من كل بد إلى الالتصاق بالحزب الحاكم (لنين ـ مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية ـ ص 39).

يلعب حزب الطبقات الكادحة الطلائعي دورا هاما في انتقاء المناضلين الملتزمين الذين اظهروا إخلاصهم وكفاءتهم في العمل على محك التجربة من خلال القيام بمهام البناء والتنظيم، لأن الادعاء بالنزاهة والاخلاص وحده لا يكفي، وكم شاهدنا من أناس ادعوا الالتزام والنزاهة وظهروا أنهم خونة لأوطانهم وشعبهم، وأظن أنني لست بحاجة إلى ذكر اساميهم لأنك ولاشك سمعت بهم وشاهدتهم، حتى وإن لم تسمع بهم أوتشاهدهم فانهم موجودون في كل مكان، لا همّ لهم سوى التخريب باسم الثورة وضربها في نفس الوقت من الخلف، بغية العودة باسم الليبيرالية إلى نظام الاستغلال الرأسمالي البائد. ثم قلت لمحدثي إننا لازلنا في بدء الشوط وستبدي لنا الايام والنضال المستمر من هو المخلص النزيه، ومن هو المزيف الذي لايعمل إلا لفائدته الشخصية ولفائدة طبقته الأنانية، لا لفائدة الكادحين والموطنين جميعهم.

اجاب الشاب: إننا نحن الشبان لسنا بحاجة الى المناضلين الشيوخ ولا إلى نصائحهم وتجاربهم، لأن أفكارهم قد فاتها الزمن، ولم تعد تصلح لعصرنا الحاضر. حسنا، قلت له، ولكن لماذا أتيتني وسألتني لأطلعك على ما تجهله من تاريخ بلادك، وأنا شيخ كبير ومن قدماء المناضلين؟ أليس بامكانك تأليف كتابك هذا دون اللجوء إلى الاستماع لاقوالي وشهاداتي؟ لاشك أنك لست على صواب في رأيك هذا وسيؤدي بك خطؤك الى الإنحراف عن الخط الثوري السوي الذي تبحث عنه، ويبدو لي حسب أقوالك ان بعض المتزعمين هم الذين لقنوك، وأمثالك من الشباب، مثل هذه النظريات لإحكام سيطرهم على افكاركم وتوجيهكم نحو تنفيذ مآربهم الشخصية، واستعمال نفس الطرق التي سطرها زعيمهم السابق على افكارهم وقادهم إلى حمل السلاح ضد ثورة شعبهم بجانب أعدائه المستعمرين، انني - قلت له - لا احتم عليك الأخذ بآرائي وافكاري هذه، لاسيما أن اباك كما اشرت لي هو الذي إرسلك إلي وهو صديق قديم لي، وإذا أطلت عليك الشر ح فإني اردت تسليحك بأفكار ونظريات صحيحة، ولكي لا يقول والدك انني قصرت في إطلاعك على ما تبغيه من الحقائق.

التقيت بهذا الشاب بعد عامين من هذا الحوار، فبادرني بقوله: إنني وافقت على كل ما جاء في حديثك لي وعرفت بتجربتي الخاصة ان المتزعمين هؤلاء، كما تدعوهم، كانوا يحاولون إبعادنا عن معرفة الحقائق بغية استغلالها لفوائدهم الشخصية، وقد ابتعدت بعدما وجدتهم يعملون بالفعل ضد النظام القائم وضد الاشتراكية، ولا همّ لهم سوى الاختلاس أموال الشعب بلا وازع ولا ضمير والاثراء بأسرع ما يمكن على حسابه، أجل اجبته، اريد اطلاعك على وقع لي في يوم من الأيام مع الشيخين عد الحميد بن باديس والطيب العقبي طيب اللّه ثراهما، عندما التقيت بهما في نادي الترقي بالعاصمة، وقالا لي، إنك عضو في جمعية العلماء ومن المصلحين الذين يتمتعون بثقتنا التامة، ومطلع على النظام الشيوعي، لهذا نطلب منك اطلاعنا على النظام، ولا سيما فيما يتعلق بمواقفه من ناحية الدين، فأجبتهم بقولي: لم ير المستعمرون الفرنسيون ما يهاجمون به الشيوعية سوى قضية الدين، لتغطية آنذاك تحالفهم مع كبار رجال الكنيسة في روسيا القديمة الذين ربطوا مصيرهم بمصير القيصر الروسي والامبريالة العالمية، وقاموا بشدة قوى الطبقات الكادحة الروسية والشعوب المستعبدة، فكان لابد من أن ينالوا مانال القيصر الروسي وحلفائه الامبرياليين من المصير، وبالأخص بعد انتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية الظافرة 1917.

أما حقيقة وضع الدين في النظام الشيوعي، فتشير اليها المادة 124 من الدستور السوفياتي وتنص على حرية الاعتقاد الديني لكافة مواطني الاتحاد السوفياتي، وتمنع إثارة العدوات والاحقاد بسبب المعتقدات الدينية، ولكل مواطن سوفياتي الحق في اعتناق اي دين، اوإقامة الشعائر الدينية، كما أن له الحق في عدم اعتناق اي دين عملا بقوله تعالى: ”لا إكراه في الدين ”.. وتبعا للمثل العربي المأثور: الدين لله والوطن للجميع، غير أنه لا يجوز خلط الدين بالاوضاع الاجتماعة القائمة، وللمثل لا يجوز للعامل المسيحي أواليهودي أو المسلم الدفاع بسبب المعتقد الديني عن رب العمل البورجوازي في حالة وقوع خلاف بينه وبين الكادحين الذين لا تدين اكثريتهم بدين رب العمل منها لإثارة الحزازات الدينية، وتفرق صفوف الكادحين المستغلين. كما أنه لا يجوز انتخاب أي انسان على أساس معتقدة الديني فقط، اوعلى اساس عدم اعتقاده الديني، إنما على أساس أعماله ودرجة التزامه وإخلاصه لقضايا الجمهير الشعبية العاملة ولبناء الاشتراكي ولشعبه ووطنه، ولا يجوز أيضا التسلط على الشعب باسم الدين، كما يفعل الطرقيون وأعوان السلطات الفرنسية اليوم في بلادنا، الذين تقاومهم جمعية العلماء لابتداعهم طرق بعيدة عن الدين، بل وتحرمها الأديان، ويتهم هؤلاء الطرقيون جمعية العلماء بالمروق عن الدين الاسلامي والإلحاد، تماما كما يتهمون الشيوعيين بذلك، وغرضهم هو بقاء جماهير شعبنا العاملة والفلاحين غارقين في الجهل والشقاء بعيدين عن الدين والعلوم والمعارف، أي بعيدين عن جمعية العلماء والحزب الشيوعي الجزائري، ليسهل لهم وللمستعمرين الفرنسيين أمر استغلالهم واستعبادهم بلا منازع مدى الحياة.

أليس من واجبنا، قلت لهما، بصفتنا مستعبدين ومحرومين من كافة حقوقنا الدينية والدنيوية، أن ننظر في من هم حلفاؤنا وهم الحركات الشيوعية والحزب الشيوعي الجزائري، الذين تجمعنا بهم نفس الأهداف، وأن نستعين بهم ونتحد معهم في نضالنا من اجل استرداد حقوقنا وحقوق شعبنا المتدهورة، بدلا من معاداتهم ومجافاتهم كما يبغي المستعمرون الفرنسيون أعداؤنا واعداؤهم. انا لا أطلب منكما الانخراط في الحزب الشيوعي الجزائري إذا فربما لا تقبل هذا النظام افكاركما، لان هناك قضايا لاتجد إقبالا لديكما مع انها غير محرمة في الاسلام، والمثل العربي يقول: عدو العدو صديق، اليس كذلك؟ - أجاب اجل هذا مثل معقول، لكننا نود معرفة ماهو الشيء الذي لا تقبله افكارنا مع انه غير محرم في الشريعة الاسلامية، قلت لهما: الانضباط والمثول عندما تأمر الأكثرية رؤساء الحزب بقرار حزبي بالذهاب الى الشوارع والمقاهي والمحلات العامة لبيع جرائد الحزب وادبياته، فإنهم يمتثلون لقرار الاغلبية، فهل باستطاعتكما الخروج لبيع ”البصائر ” و”الشهاب” في الأزقة كما يفعل القادة الشيوعيون؟ أجاب.. كلا لن نفعل ذلك، لماذا قلت لهما.. وهل في ذلك ما يحرمه الشرع والدين؟ أجابا كلا، لأننا لم نتعود على القيام بمثل هذه الاعمال. ان لدي الكثير من هذه الامثلة، قلت لهما، إلا انني أكتفي بهذا القدر، انني لم انخرط في هذا الحزب إلا بعد ان استهلت مبادئه ومبادئ الاحزاب الوطنية الاخرى القائمة اليوم في الجزائر، فسألني عن الفرق الذي ينطلق فيه الحزب الشيوعي الجزائري في صراعه مع الاستعمار والرأسمالية من مفاهيم وطنية وثورية واجتماعية من اجل انتزاع التحرر الوطني، الذي يعتبر لديهه مرحلة أولى ننحو التحرر الاجتماعي والثورة الاشتراكية، فإنه يتمتع في نفس الوقت كباقي الاحزاب الشيوعية في العالم بالصفات الأممية، ولهذا فهو يستبد قواه ليس فقط من اعماق جماهير الشعب الجزائري العاملة وفقراء الفلاحين، بل ومن القوى الثورية والحركة الشيوعية في العالم. وتلك هي منابع قدرته الخارقة على متابعة النضال الثوري دون هوادة في صراعه ضد المغتصبين من ناحية، وضد الاستغلال الاقطاعي والرأسمالي من جهة أخرى، على خلاف القوى الاخرى التي تعتبر الاستقلال الوطني هو النهاية والحد الاعلى لنضالنا.

ثانيا: إن الحزب الشيوعي الجزائري مبني على أساس الديمقراطية المركزية، ومعنى ذلك أن هيئاته كلها ابتداء من القاعدة الى القمة تقوم على أساس الانتخاب في حالة الظروف العلنية، وهو الحزب الذي يمثل مصالح الجماهير الكادحة وفقراء الفلاحين في الدرجة الاولى، ويعمل بدأب واجتهاد على محاربة الاستغلال الاقطاعي والرأسمالي من أجل تحسين حياة الكادحين وظروف عملهم، ومحاربة الظلم والجهل والإملاق اللاحق بهم، ليصل في نهاية المطاف الى محو الاستغلال الانسان للانسان وبناء الاشتراكية، الى ما هنالك من فوارق يطول عليكما شرحها.

ولكن تكونا على علم من امري قلت لهما، فإنني مسلم وعربي جزائري، وان مبادئ الحزب الشيوعي الجزائري وأعماله تتفق والإسلام، بل يؤديهما الاسلام، وأولهما التعاون بين المظلومين والضعفاء على مقاومة ظلم الاقوياء الاستعماريين واستغلال حلفائهم الاغنياء، من الذين فضلوا الحياة الدنيا وزينتها الذين قال فيهم المولى عز وجل: ”أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون” (سورة هود)، وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ريسعى للتآخي بين كافة البشر المحرومين والمعذبين في الارض بصرف النظر عن أديانهم واجناسهم، وهل في ذلك ما يناقض الدين؟ وهل تعمل جمعية العلماء على تنظيم العمال والفلاحين وعلى قيادة نضالهم ضد استغلال المستوطنين الصارخ لهم والدفاع عن حقوقهم؟ أجابا كلا، لماذا، قلت لهما، وهل يحرم الدين هذا؟ قالا كلا، ولا يحرمه الدين ولكن مهمتنا الدينية لم تترك لنا حتى مجرد التفكمير بمثل هذه القضايا، وهذا تفريط منا لأننا لم نخصص وقتا لدراستها، ولاسيما عندما شاهدنا الحزب الشيوعي يقوم بها على أكمل وجه.

إن هذا لا يكفي - أجبتهما - إن من واجبنا البحث في هذه القضايا التي تتعلق بها حياة الاغلبية الساحقة من جماهير شعبنا، بدلا من الاقتصار على الامور الدينية وحدها، ألم يأت الحديث الشريف: ”اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”. هكذا سبق الحديث الشريف الدنيا على الآخرة، وذلك لكي يحثنا قبل كل شيء على التعاون وما فيه صلاح دنيانا ثم آخرانا، عملا بالآية الكريمة ”وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”.

أي عمل أنقى من السعي لإنقاذ جماهير الكادحين بتنظيم قواهم وحثهم على النضال للتخلص من شرور الاستعيار الاستعماري واستغلال الاغنيياء الرأسماليين وحلفائهم ولتحسين حياتهم ووسائل اعمالهم، وهل يوجد على وجه الارض أفضل من حياة الانسان المنتج الصالح، لانه يمكن للعبادة ان تقام بلا حياة ، ولهذا يتطلب الاهتمام بكل ما يتعلق بحياة الناس قبل كل شيء عملا بالحديث الشريف، وهذا أيضا ما يقوم به الشيوعيون في كافة أنحاء العالم.

يتبع

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار