مساهمة في كتابة تاريخ حركة التحرر الوطني

مذكرات مناضل أوراسي الشباح مكي

أريد بهذه المناسبة التذكير بالتعاون الفعلي الذي قام بين الحزب الشيوعي الجزائري وجمعية العلماء في قضية اعتقال الشيخ العقبي وصديقه الحميم عباس التركي بتهمة اغتيال الشيخ كحول مفتي الجزائر آنذاك، وما تبع ذلك الاعتقال من محاولة السلطات الفرنسية تعميم القمع الشرس على كافة القوى الوطنية وتشريد الكثيرين من أعضاء جمعية العلماء، ولولا مواقف الحزب الشيوعي الجريئة واليسار الفرنسي لتمكنت السلطات الفرنسية من توجيه أقسى الضربات لمجموع القوى الوطنية والاجتماعية في الجزائر.

إني أقول لكما، بكل صراحة أن المبادئ المبنية على أساس العدالة الاجتماعية بين الناس، ومحاربة استغلال الأغنياء الرأسماليين ومناصرة المظلومين والضعفاء هي الأقرب للدين الإسلامي، ألم يأت في قوله تعالى: ”ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ” (سورة القصص).

غير أن بعض المسلمين، قلت لهما، مع الأسف تركوا هذه الناحية الاجتماعية من الإسلام، ولم يمارسها في صدر الإسلام سوى الصحابي أبو ذر الغفار ثم علي ابن أبي طالب رابع الخلفاء المسلمين رضي اللّه عنهما، واهتم الشيوعيون بها وقدموا للطبقات الكادحة والفلاحين أجل الخدمات بعدما ساعدوا على تنظيمهم وتوجيههم ضد أعدائهم الطبقيين، الذين اغتصبوا حقوقهم وسلبوهم عرق جبينهم، أليس هذا الكلام، بمعقول وليس بدعاية عابرة ؟ ولا بموجة ضد أحد شخصيا، فاستغبا بأحاديثي هذه وقالا: ما كنا نظن بأنك ستطلعنا على قضايا لم نسمع بمثلها من أحد سواك، إن لنا كامل الثقة بك لأننا شاهدنا أقوالك وأعمالك في النادي وفي الدواوير التي نظمت بها نقابات صغار الفلاحين والعمال الزراعيين، تلك سهلت لنا بناء بعض المدارس في تلك النواحي، لهذا دعوناك لمقابلتنا والتحدث إلينا، وعلى كل حال فقد أطلعتنا بحديثك الشيق هذا على قضايا كنا في السابق غير مهتمين بها.

قلت لمحدثي الشاب: كان في ذلك العهد بعض المغرضين الذين همهم غرس بذور التفرقة في صفوف القوى الوطنية والإصلاحية ولاسيما لإبعاد الشيخ عبد الحميد بن باديس، زعيم الحركة الإصلاحية وجمعية العلماء عن الشيخ الطيب العقبي، كانوا ينشرون إشاعات حول ميول الشيخين السياسية، فيقولون بأن العقبي يؤيد الحزب الشيوعي الجزائري، بينما يؤيد بن باديس جماعة مصالي الحاج.

غير أن الشيخ عبدالحميد وضع حدا لتلك التخرصات في خطاب ألقاه آنئذ في نادي الترقي جاء فيه: إن من يدعي بوجود خلافات في جمعية العلماء يعمل من حيث يدري أو لا يدري على تصديع وحدة الجمعية، لهذا فإني أعلمكم بأن الشيخ الطيب العقبي هو أنا وأنا هو العقبي، لأن للعقبي فضل على تجمع العلماء الجزائريين، ولولاه لما اجتمعنا اليوم في هذا النادي الذي كان مقرا للأغنياء والأعيان، فأصبح بفضل جهوده مقرا للجماهير الشعبية كلها، فلا يمكننا في مثل هذه الظروف ترك الشيخ العقبي العالم الجليل المخلص والتقي الورع، ومن واجبكم نبذ هذه الدعايات التي تضر باتحادنا ومجتمعنا الجزائري العربي المسلم..

إنني لم أسجل بعض هذه الأحداث للكسب، بل للكشف، أمام الأجيال القادمة عن حقائق تاريخية واقعية سواء كانت قبل ثورة أول نوفمبر 1954 وخلالها ومابعد الاستقلال، تلك الأحداث التي يحاول البعض تزييفها وطمس معالمها، وإذا لم أتوسع في شرحها فإن ذلك اقتداء بالمثل العربي: خير الكلام ما قل ودل، كما أنني لم أقصد من تسجيل مذكراتي هذه الشهرة ولا الحط من قيمة البعض أو الرفع من قيمة البعض الآخر، هذه القضية متروكة لضمير القارئ، ولم يخطر لي قط ببال عند قيامي بتسجيلها، واللّه على ما أقول وكيل فهو نعم المولى نعم النصير.

وللّه الشكر والحمد للّه الذي هداني لهذا، ونصرني في مواطن كثيرة على أشد الطغاة قسوة وحبروتا، وأبقاني حيا حتى شاهدت بلادي العزيزة حرة مستقلة، وألهمني كتابة هذه المذكرات للأجيال الصاعدة ولاسيما من إخواني العمال والفلاحين، والمثقفين الثائرين، لكي يتمعنوا أكثر بماضيهم الثوري المجيد، ويتجنبوا التفرقة وكل ما يعرقل مسيرهم من أجل توطيد استقلال بلادهم وبناء وطنهم على أسس ديمقراطية جديدة.

تعلم الجماهير الكادحة في بلادنا، بأن الشغالين في كل مكان ومن كل شعب ودين هم إخوة تجمعنا بهم رابطة النضال المشترك ضد أعدائهم المشتركين، من إمبرياليين وإقطاعيين ورأسماليين، بغية التخلص السريع من نير الاستعباد والاستغلال، وانتزاع حقوقهم المشروعة العادلة وتحسين سبل حياتهم وشروط اعمالهم.

في الوقت الذي استشهد فيه ملايين الكادحين لانتزاع استقلال بلادها وتأمين حرياتها الديمقراطية وسبل حياتها، يعمل الرجعيون المحليون من ملوك وأمراء، وكبار الملاكين وتجار، في الأقطار التي تمكنوا فيها من الاستيلاء على زمام السلطة، على تصعيد استغلالهم، وطرق اضطهادهم لجماهير الكادحين في بلادهم من أجل توطيد امتيازاتهم المجحفة، وجر الكادحين كما يقع في المغرب إلى تنفيذ أطماعهم التوسية على حساب جيرانهم مثل الصحراء الغربية واقتداء بدولة إسرائيل، بتشجيع من الدول الإمبريالية.

إن من واجب الكادحين في تلك البلاد هو توحيد صفوفهم وتوجيه سلاحهم ضد حكامهم الرجعيين الذين لا يضمرون لهم سوى الموت والفناء، بعدما كبلت حرياتهم واعتقلوا وقتل زعماؤهم المخلصون أمثال: بن بركة وزروال.. وكل من رفض الخضوع لسياستهم سياة النفاق والعمالة للامبرياليين.

لقد مضى إلى غير رجعة عهد الأغنياء وتقبيل أيادي وأعتاب الحكام الرجعيين من ملوك وأمراء وغيرهم، فلا يجب على الكادحين تقتيل بعضهم بعضا إرضاء لنزوات أعدائهم الرجعيين هؤلاء والإمبرياليين حلفائهم، ولاسيما بعدما أظهرت لنا التجارب مدى نفاقهم وحرصهم على استغلالنا، فلا تغرنا ابتساماتهم المسمومة، وشعاراتهم المزيفة التي يخفون خلفها أطماعهم الاحتلالية وعدوانهم على تراب الغير ونهب ثرواته، فلن يصبح هؤلاء الأعداء أصدقاء لشعوبنا حتى ولو تكلموا باسمها، وعليه يتو جب علينا الحذر لكي لا نقع مرة أخرى فريسة أطماعهم بعد الذي قاسيناه تحت نير استعبادهم واستغلالهم، شاهدنا الكثير من الفئات الرجعية خلال حرب التحرير تصوب أسلحتها ضد ثورتنا ومجاهدينا، وبالرغم من شعور هاته الفئات باليتم بعد اجتثاث جذور الاستعمار من بلادنا، إلا أننا شاهدناها بعد الاستقلال مرة أخرى تتسرب إلى المواقع الهامة في الأجهزة الحكامية، والشركات الوطنية بهدف الانتقام من الثورة مرة أخرى بتمهيد الطريق أمام المشاريع الرجعية الهادفة للاستيلاء بصمت وحذر على زمام السلطة والعودة بشعبنا باسم الليبيرالية إلى عهد الاستغلال الإمبريالي والرأسمالي البغيض لثروات بلادنا ولجماهير شعبنا الكادحة.

ولو وجد هؤلاء المحتالون والمتذبذبون ممن ينتمون إلى كبار الملاكين والبراجوازية والبيروقراطية، والتجار الكبار ومن لفهم، من يتصدى لهم يكشف أمام الشعب عوراتهم وتواطؤهم مع المستعمر الغاصب ويقاوم أطماعهم لما تمكنوا من التغلغل الخطير في أجهزة الدولة والشركات الوطنية، مع أنهم كانوا من أسباب إطالة أمد الاستعمار في بلادنا رغم ادعاءاتهم الاشتراكية والمبادئ للثورة. وبصددهم جاء في قوله تعالى: ”ومن الناس من يقول آمنا باللّه واليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون اللّه والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ” (سورة البقرة).

أليس من واجب الحكومات التقدمية والثائرين في كل مكان التحلي باليقظة والحذر تجاه هاته العناصر المسممة الضارة التي من شيمتها التبذير والفساد ونشر الفوضي أينما وجدت وهدفها الأسمى القضاء على القطاع العام والثورة الزراعية والعودة بالشعب الجزائري إلى عهد الرأسمالي. هاته العناصر التي ذكرها القرآن بقوله تعالى: ”إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون ” (سورة البقرة) والوقوف صفا منيعا في وجه تسللها إلى المراكز الهامة في الأجهزة الحكومية والحزبية والجماهيرية وإبعادها، وذلك بتوحيد جهود كافة الثوريين على مختلف مشاريعهم السياسية وميولهم، في رابطة وطنية موحدة كأفضل وأضمن طريق لتأمين مستقبل ثورتنا وازدهارها.

يتطلب منا العهد الجديد عهد مابعد الحرب العالمية الثانية، الذي انقسم فيه العالم إلى نظامين متعارضين، النظام الرأسمالي والإمبريالي، الذي تمثله الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، المبني على التسلط والعنصرية والاستغلال والعدوان، والنظام الاشتراكي الذي يمثله الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو، المبني على السلم وتصفية الاستعمار أينما وجد، وحق الشعوب كلها في تقرير مصيرها بنفسها، والتعايش السلمي فيما بينها وحل كافة المشاكل بالطرق السلمية، ثم بروز ما يسمى بالعالم الثالث الذي أصبح يتمتع من خلال التقدمية بنفوذ مرموق في العالم كله، وبكفاحه المتتابع من أجل تحقيق استقلاله الاقتصادي وإقامة اقتصاد عالمي جديد مبني على أسس العدل والتعاون، ومقاومة للأنظمة العنصرية والاستعمار الجديد بكافة أشكاله.

يتطلب هنا هذا العهد كبلد قائم بثورة على أنظمة الاستعباد والرجعية ويسعى لبناء الاشتراكية والقضاء على استغلال الإنسان للإنسان، التوجه نحو حلفائها الطبيعيين الأقطار الاشتراكية والاتحاد السوفياتي على الخصوص وتجنب الانزلاق نحو التحالفات الرجعية المؤدية في نهاية المطاف إلى مساعدة الإمبريالية الأمريكية ودولة إسرائيل على تصفية القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط من ناحية وتصفية شعب الصحراء الغربية، وحرمان شعبها من حق تقرير مصيره بنفسه بعدما أصبح معترفا به دوليا، وتصفية في نفس الوقت الأنظمة التقدمية على الخصوص الجزائر، وهذا ما يتمناه ويصبو إليه ولاسيما المستعمرون الفرنسيون.

والغريب هو التقارب القائم بين أهداف الرجعيين السعوديين السادتيين في المشرق والرجعيين الملكيين في موريطانيا والمغرب، إذ في الوقت الذي يفتح فيه السادات بدعم من السعوديين أبواب القطر المصري أمام الإمبرياليين الغربيين والأمريكيين على الخصوص، ويتحالف ضما وأحيانا علنا معهم على دعم العدوان الإسرائيلي من جهة وتصفية القضية الفلسطينية من جهة أخرى. ويهاجم بشراسة صديق الشعب العربي الحميم الاتحاد السوفياتي وباقي النظم الاشتراكية، ويتصدى بعنف لقوى الشعب المصري التقدمية، وقد ساعد بتصرفاته هذه على إثارة مشاكل جانبية جديدة ترمي إلى تشتيت شمل الشعوب العربية وتمزيق وحدتها، وعلى سبيل المثال، الاقتتال في لبنان بينما لا تزال جيوش الاحتلال الإسرائيلية جاثمة فوق التراب المصري في سينا وباقي الأراضي العربية المحتلة حديثا ومنذ 1967، في نفس الوقت استنجدت الرجعية المغربية والموريطانية على رأسها الحسن الثاني ملك المغرب بالإمبريالية العالمية والفرنسية في مقدمتها، لتوطيد احتلال جيوشها لتراب الشعب الصحراوي، وإبادة مقاومة الجريئة بعدما أخذت توجه للجيشين المغربي والموريطاني أقسى الضربات وترغمهما على الانزواء داخل الثكنات، وتسبب في الوقت نفسه للنظامين المغربي والموريطاني أفدح الخسائر في الأعتدة والأرواح، مما ضاعف في خطورة الأزمة الاقتصادية الغارقين في ثناياها.

إن هدف الرجعيين المغاربة والموريطانيين الأساسي من عدوانهم هذا، واستنجادهم ولا سيما بالمستعمرين الفرنسيين الذي لايزالون يمنون أنفسهم بالعودة للجزائر ليس تصفية شعب الصحراء فحسب، بل وتطويق الثورة الجزائرية وشعبها المقدام، بغية تصفية نظامها التقدمي الذي أخذ يقلق مضاجعهم بما يحققه من أهم المنجزات الوطنية والديمقراطية في سائر الميادين الصناعية منها والزراعية والثقافية والعلمية، وبما يخلفه هذا النظام من أوعص المشاكل لهم لدى الشعبين الشقيقين المغربي والموريطاني، اللذين يتعطلعان لهذه الإنجازات ويطمحان في تحقيق مثلها في أقطارهما، وللعودة بالجزائر إلى عهد الاستغلال الإمبريالي والرأسمالي البائد، واحتلال قسم من ترابها.

يتبع

 

 

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار