الحجاب التركي يغيّر لوك الجزائريات ويقود المحجبات إلى عالم العارضات

عندما يتحول الخمار من رمز ديني إلى واجهة للأناقة


من ”العباية” إلى الحجاب التركي جسد المرأة واجهة للصراعات السياسية

المتجول في محلات العاصمة يلاحظ بشكل واضح غزو موضة الحجاب التركي الذي صار يستهوي الجزائريات بشكل كبير، ويلقى الرواج والإقبال، حيث صارت الموديلات القادمة من اسطنبول وبيوت الأزياء التركية تأسر الجزائريات وتجبرهن على تغيير اللوك.

لم يعد الحجاب ذاك اللباس الذي يقترن بوضع المرأة المغبونة أو المغلوبة على أمرها، تلك التي تتخفى وراء جلباب أسود وخمار غالبا من نفس اللون هروبا من اكراهات المجتمع، وصار بإمكان المحجبات أيضا أن يظهرن أنيقات ويركضن خلف الموضة، بل وفيهن من تطمح لتكون عارضة أزياء.

اليوم صارت الكثير من المحجبات يبحثن في المجلات عن آخر صرعات للف الخمار وأحدث التصميمات والتفصيلات لتنانير والبدلات التي تراعي فيها أيضا جمال الألوان وتناسقها مرفقة طبعا بالأكسسوارات مثل الدبابيس التي يثبت بها الخمار، والتي يرعى فيها أن تكون من نفس لون حقائب اليد والأحذية والنظارات الشمسية، مما  يضفي على المحجبة مظهر أنيقا يرى فيه البعض فتنة أكثر من السافرات حاسرات الرأس.

مع انتشار ظاهرة ”التتريك” التي عرفها المجتمع الجزائري أمام انفتاح السوق الداخلية على المستورد من الخارج، من السلع والمنتجات الثقافية من أفلام وأزياء عرفت محلات الحجاب انتشارا كبيرا للأزياء التركية التي أطاحت بالعبايات الخليجية التي عرفت بدورها في وقت من الأوقات انتشارا كبيرا في السوق الجزائرية، حيث صارت محلات الحجاب التركي توفر للجزائريات أفضل فرصة للاختيار بين الأشكال والألوان والتصاميم التي تلبي كل الأذواق وتصلح لعدة مناسبات، بما في ذلك حفلات الاستقبال العمل والسهرات والأفراح. ورغم أن أسعار هذه القطع تبقى مرتفعة نسبيا مقارنة بغيرها لكنها مع ذلك تلقى الإقبال والرواج. 

فسعر القطعة من هذه الثياب يتراوح ما بين 5000 إلى 30 ألف دينار. وعن ارتفاع هذه الأسعار يقول صاحب محل للأزياء التركية بشارع ”ميسوني” أنها ثياب مستوردة بكل ما يعني ذلك من تكاليف استقدام السلعة والجمركة، تضاف إليها أخطار الطريق بالنظر لظروف الحرب في سوريا التي كانت تشكل قبل الآن خطا أساسيا لعبور التجار وأصحاب الشنطة الذين يأتون بمثل هذه السلع والذين يبقون إلى اليوم أكبر ممول للسوق الجزائرية بهذا النوع من الثياب. صاحب المحل لم يغفل دور الدراما التركية في ازدياد الطلب على مثل هذه القطع من الثياب والموديلات على اعتبار أن الثقافة البصرية أضحت واجهة أخرى أكثرأهمية في تسويق ارث الشعوب ونظرتهم للحياة.

 إحدى النساء التي كانت بالمحل تقلب الموديلات وتناقش مع البائع الأسعار قالت إنها تجد في هذا النوع من الثياب ما يلبي ذوقها ويمنحها لمسة أناقة وأنوثة دون أن تخرج عن إطار الحشمة والضوابط الاجتماعية.

”بلايز”، ”أرمين”، و”دوجاني” عندما تحلم المحجبات بنجومية العارضات

صاحب المحل الذي يتعامل يوميا مع عشرات بل مئات الأذواق يقول إن زبوناته من مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية، أغلبهن على دراسة تامة بتفاصيل وخطوط الموضة. في هذا الصدد يقول المتحدث أن الجزائريات يفضلن عادة السلسلة القادمة من ”علامة دوجاني” وهي تشكيلة كلاسيكية تتكون من حجاب طويل في شكل معطف بحزام وسروال. وكذا علامة ”أرمين” ذات اللمسة المميزة من خلال خطوط التفصيل والأزرار وكذا الأحزمة التي تضفى على السيدة لمسة مميزة تذوب أمام إغراء أسعارها المرتفعة مقارنة بباقي العلامات التي تعرفها السوق الجزائرية. وهي علامة تقبل عليها السيدات تحديدا فيما تفضل الأوانس وطالبات الجامعة تفصيلات علامة ”بلايز” التي تأتي في غالب في شكل قطعتين سروال وبلوزة أو ”ليكات” طويلة ومزينة بتطريزات تلبي كل الأذواق. وقد أتاح الحجاب التركي أمام المرأة عدة خيارات تمكنها من تتبع الموضة وممارسة حقها في الظهور بمظهر جميل يضيف المتحدث. الأناقة التركية كما يسميها البعض قادت الكثير من المحجبات إلى الحلم بنجومية عارضات الأزياء، ولم يعد الخمار عائقا على ما يبدوا في وجه النساء للوقوف فوق ”البوديوم”. 

يقول سفيان حجار صاحب وكالة ”ياس أجنسي” الخاصة بتدريب العارضين أن وكالته تتلقى يوميا عشرات الطلبات من قبل محجبات يرغبن في اقتحام عالم الأزياء، لكن هذا المجال ما يزال يقول المتحدث غير مطروق في الجزائر، بحيث ما يزال للخمار قداسته في نظر المجتمع، رغم كل أشكال التغيير التي طرأت عليه. 

ويوضح سفيان قائلا: ”حاليا نكتفي بتوجيه هذا النوع من المتقدمات غالبا إلى عرض مجموعة صور وموديلات في بعض المجلات على قلتها أيضا والتي تقوم بتسويق بعض العلامات المستورة للحجاب التركي.

”من تشتري حجابين لها الثالث هدية”

في شارع العربي بن مهيدي تتزاحم السيدات على إحدى المحلات الكبرى التي تقدم تحفظات مغرية لهذا النوع من الحجاب، حيث كانت الإعلانات تغطي الواجهات الزجاجية الثلاث للمحل تعلن عن كل من تشتري حجابين لها الثالث هدية. 

صاحب المحل أكد لنا أن هناك الكثير من السيدات اليوم يفضل ”الحجاب التركي” لما يوفره لهن من أناقة ولمسة جمالية لا تتعارض مع ”الشرع” بحيث يمكن للسيدة أن تكون جميلة ومحتشمة في آن واحد وصارت من ثمة هذه الأزياء مثل غيرها تخضع لقوانين” الصولد” وتنزيلات الأسعار التي تعرفها المواسم وهو ما يتيح للكثيرات اغتنام الفرصة واقتناء ما تراه مناسبا لها.

زهية منصر

دراسة أعدتها جمعية المرأة في اتصال 

من ”العباية” إلى الحجاب التركي جسد المرأة واجهة للصراعات السياسية

كشفت دراسة أجرتها قبل عام من الآن جمعية المرأة في اتصال وكنا قد تطرقنا إليها في السابق بالتفصيل أن الحجاب في الجزائر لم يعد رمزا دينيا بقدر ما صار رمزا اجتماعيا قد يمنح للمرأة وضعيات مريحة ويجنبها وضعيات صعبة اجتماعيا ويتيح لها أفضل الفرص لتجنب الضغط الاجتماعي حتى أن الشارع الجزائري اليوم انقسم وأبدع في إيجاد تسميات شعبية لجميع أنواع الحجاب التي يعرفها الشارع الجزائري فمثلا تطلق تسمية ”حجاب نص طياب” على كل لوك مخالف في نظر المجتمع لما يعرف بـ”الحجاب الشرعي” الذي كان منتشرا في بداية الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي وهي الفترة التي عرف فيها الشارع الجزائري موجة تحجب كبيرة تماشيا مع التغيرات الاجتماعية التي طرأت على الجزائر وانحصار موجة اللباس التقليدي الذي كانت تظهر به المرأة في الشارع مثل الحايك والملاية والملحفة والجبة القبائلية. 

اليوم تنوعت التسميات لمختلف اشكال الحجاب التي يعرفها الشارع الجزائري من ”حجاب سبانش” إلى ”الحجاب التركي” و”حجاب الجينز” أو ”حجاب طاطا” كما يسميه الشارع الجزائري.

في التسعينات مثلا كانت طريقة ربط الخمار تحيل إلى رمز انتماء إلى زمرة سياسية معينة برزت جليا بين طالبات الجامعة في تلك الفترة، حيث كانت جميع التيارات المتصارعة في الساحة تسعى قدر الإمكان إلى توظيف واستقطاب أكبر قدر ممكن من الأنصار، وكانت بطبيعة الحال الجامعة المكان المفضل لذلك حيث كانت من تلف خمارها وتعقده في شكل ربطة عنق تصنف في خانة المتعاطفات أو التابعات لحزب ”حركة مجتمع السلم”، ومن تضع خمارا فضفاضا يربط لجهة واحدة تصنف ضمن تيار النهضة الذي كان يتزعمه جاب الله، أما أنصار أو المحسوبات على الفيس المنحل فكانت كل من تطلق خمارا طويلا ويغطى نصف ثوبها أو يمتد إلى الركبة. 

اليوم في ظل انحصار الاهتمام الاجتماعي بالسياسي وانتشار موجة التهكم وسط الشباب صار خمار ”سبانش” مثلا هو رمز للطريقة التي تلف بها بعض المحجبات الخمار بطريقة تشبه راقصات الفلامينكو الاسبانيات اللواتي يضعن خمارا احمرا مربوط إلى جانب الرأس في شكل وردة. وخمار الخليجيات الذي تضع معه المحجبة شيئا لرفع الشعر بشكل يناسب طريقة الخليجيات وتلقب هؤلاء في الشارع الجزائري بصاحبات” أسنمة البخت المائل أو ”الباطيمات” أو ”طوابق العمارات”.

بينما الخمار التركي يعتمد على لف خمار الرأس المصنوع غالبا من الحرير بطريقة أنيقة مع الحرص على أن يكون لونه متماشيا مع الحذاء أو حقيبة اليد والدبابيس التي تستعمل في تثبيته وفي بعض الأحيان تضاف إليه بعض الاكسسوارت مثل السلاسل التي تتدلى من الرقبة أو ساعات اليد والأساور أو ”بروش” يثبت في مقدمة الثوب. تقول صاحبة محل بيع الخمارات في شارع العربي بن مهيدي بالعاصمة أنها تتلقى يوميا عشرات الطلبات من قبل زبوناتها اللواتي تقدم لهن نصائح في طريقة لف الخمار و تكون عادة ”الطريقة التركية هي الأكثر طلبا”، وعادة تقول صاحبة المحل أن النساء وخاصة طالبات الجامعة وموظفات المؤسسات العليا والإطارات يرغبن في الظهور بمظهر أنيق يطلبن نصائحها في تنسيق الألوان وقطع الثياب، لأن ”طريقة الخمار التركي” تناسب أغلب النساء وجميع أحجام وأشكال الوجوه، فهو يجمع بين الالتزام الشرعي والحداثة التي لا مفر منها لأي امرأة عصرية اليوم.

زهية.م

الصورة ”الإشهارية” لتركيا في المسلسلات وراء الإقبال على الحجاب التركي

صورة المرأة المحجبة تغيرت كثيرا في الجزائر وارتبطت هي الأخرى بالهزات الاجتماعية التي عرفها المجتمع، فبعد أن كان يشكل ظاهرة منحصرة بين نساء الأرياف والمدن الداخلية في بدايات الإستقلال حيث كان زمن السبعينات نساء المدن لا ترتدين الحجاب لكن مع الوقت انتقل الحجاب أيضا إلى غطاء للاحتيال أو جلب بعض المكاسب الاجتماعية أو الهروب من بعض الوضعيات مثل حرية التنقل، والدراسة والزواج. وقلما كان رمزا دينيا والتزاما أخلاقيا. وهناك من ترتدي الخمار لأنه عادة اجتماعية تساير في ذلك غيرها من النساء، أو لان أهلها فرضوا عليها الأمر. ثم جاءت العشرية السوداء لفرضه بالقوة من طرف المتطرفين لدرجة قتل كل من ترفض الامتثال لهذا هذا ما دفع برأي الكثيرين إلى الانحراف بهذا الرمز الدين والواجب الشرعي المفروض على نساء المسلمين إلى غايات أخرى خاصة وأن بعض من يحملن هذا الرمز صرن يتورطن مثل غيرهن في جرائم القتل والسرقة والسجن وغيرها... وقد وصل الأمر إلى حد اتهام نساء الجزائر بالتسبب في الزلزال الذي ضرب بومرداس في 2003 وأنه عقاب من عند الله لأنهن غير محجبات. ومهما كانت التفسيرات التي يقدمها المعارضون وأنصار هذا الرمز، يجب أن نتوقف عند حقيقية يقرها الواقع وهي أن الحجاب كظاهرة اجتماعية وبعيدا عن أي تفسير أخلاقي أو ديني عرف تطورا، وتأثر بكل الهزات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها الجزائر منذ سبعينات القرن الماضي، ومرورا بزمن الإرهاب، وصولا إلى الآن. فالانبهار الذي تبديه الأجيال الجديدة من النساء تجاه موضة الحجاب التركي لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانبهار بالنموذج الثقافي والسياسي التركي الحاصلة مؤخرا في الجزائر، فالكثير من الأحزاب الإسلامية سعت في حملة التشريعيات الماضية إلى محاكاة الطيب رجب أردوغان. وتعكس تلك المحاكاة التي وصلت أحيانا إلى درجة محاولة الذوبان في نموذج التتريك من خلال تسمية الأحزاب بـ”العدالة والتنمية” إلى رغبة جامحة في البحث عن المجد الضائع واستيراد نموذج إسلامي ناجح في ظل إفلاس النماذج المحلية.

كما لا يمكن أيضا قراءته بمعزل عن الانبهار بالصورة ”الاشهارية” لتركيا في المسلسلات التي كانت واجهة قادت الجزائريين إلى اكتشاف تركيا السياحة والعودة إلى الجذور التاريخية للتواجد التركي في الجزائر، خاصة وانه كان قائما منذ البداية على رابطة الدين المشترك.

زهية.م

ثريا تيجاني محللة اجتماعية

الحجاب كظاهرة اجتماعية عرف تطورات لا يمكن تجاهلها

تربط الأستاذة والمحللة الاجتماعية الدكتورة ثريا تيجاني بين الحجاب كمظهر اجتماعي للمرأة وبين مختلف التغيرات التي عرفها المجتمع وسايرتها المرأة، فالحايك مثلا الذي كان في السابق اللباس الذي ترتديه النساء عند الخروج يفرض نفسه بقوة اضطرت لاحقا النساء إلى التخلي عنه مع تقدم الحاصل في حجم المكاسب التي حققتها النساء في مجال العمل والتعليم والتي صار معها الحايك وسيلة غير عملية ولا تساعد كثيرا المرأة في التحرك، وهي التي كان في السابق مجالها الاجتماعي محدود جدا في الدخول والخروج.

وفي نفس السياق، ترجع المتحدثة مختلف أشكال الحجاب التي عرفها المجتمع الجزائري وحملتها المرأة إلى الاحتكاك الحاصل بين الثقافات القادمة إلينا سواء عن طريق التجارة أو الحج أو السياحة أو الإعلام فالنموذج السعودي أو الإيراني في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات والذي رافق موجة ما عرف بالصحوة الإسلامية رافقت صعود التيارات الإسلامية وسطوتها الاجتماعية تمثلها أيضا لباس المرأة. 

كما نجد اليوم تضيف المتحدثة أن نموذج الحجاب التركي يعكس الاحتكاك الحاصل من خلال الإعلام بين الجزائري والثقافة التركية التي تسوق من خلال المسلسلات كنموذج ناجح للاستهلاك خاصة وأنه يقوم على رابط الدين المشترك. ومن طبع المرأة الجزائرية اجتماعية أنها تبحث عن مساحات التعايش بعيدا عن الصدامات الأمر الذي يجعل حاليا هذا النموذج يوفر لها فرصة الظهور بمظهر الأناقة والجمال التي تواكب العصر وفي نفس الوقت دون الخروج عن الحشمة أو الذوق الاجتماعي العام المتفق عليه، يعني انه أفضل نموذج للتعايش الاجتماعي بين الأصالة والحداثة.  

زهية.م

التعليقات (4 تعليقات سابقة) :

هارون : الجزائر
عالجوا الأمور من ابوابها الواسعة لا من الأبواب الضييقة ياأيها المشاكسين ذو المستوى المادي لا اقل ولات أكثر....................
نونو : الجزائر
موضوع رائع شكرا لصاحبة المقال
mouloud : Algeria
الجزائريات لبسن كل الموديلات إبتدأا بالفرنسية (دولة الإحتلال) ،ثم المغربية ،السعودية ،الخليجية عموما ،السورية ، وأخيرا التركية وليس آخرا لأن الجزائريات مازلن سيلبسن الموديلات الهندية والصينية ولما لا اليبانية والأمريكية ....!!! لكن أن يطورن ويبدعن في لباسهن الأصلي ،الحايك والملاية والجبة كما تفعل كل الأجناس، فهذا بعيد المنال. لماذا ياترى ؟؟؟؟!!!!.
utopie : algerie
Mais où donc l 'identité algerienne haik et malaya ? ces tendances de mode ne reflète pas l'identité algerienne qui se déchire entre le style marocain et khaliji et maintenant turc , le profil de la femme algerienne est dissout on ne trouve plus ce charme typiquement algerien , quel dommage !
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

أضف تعليقك


رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة: