عودة إلى مذكرات الرئيس كافي

قصة سقوط ”السياسي” الثاني بعد عبان

تشكل الوثائق حوالي ثلث الجزء الأول من مذكرات (*) الرئيس علي كافي (1946 ـ 1962).
وقد اخترنا منها ثلاثة رسائل للدكتور محمد الأمين الدباغين وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة الأولى (1958 ـ 1959)، نكتشف من خلالها قضية استقالته في 15 مارس 1959، وأسبابها وملابساتها، وانعكاساتها عليه في نهاية المطاف.
السبب المباشر لاستقالة الدكتور الدباغين يكمن ـ ظاهريا ـ في حادثة ”علاوة عميرة”، وهو مناضل سابق في حركة انتصار الحريات الديمقراطية بسطيف، كان من المقربين إلى الدكتور الأمين الذي كان نشط من مدينة العلمة، حيث عيادته الطبية.
وخلاصة الحادثة أن عميرة ـ من بعثة الحكومة المؤقتة في بيتروت ـ قتل يوم 10 فبراير 1959، إثر سقوطه من الطابق الخامس من مقر الحكومة بالقاهرة، حيث المصالح التابعة لعبد الحفيط بوالصوف وزير الاتصالات العامة آنذاك، حدث ما حدث لعميرة، عقب مواجهة ساخنة مع رئيس الحكومة فرحات عباس شخصيا.
لم يكن وزير الخارجية يومئذ بالقاهرة، فلما عاد وعلم بما حدث لأحد موظفي وزارته انتابه شك واعتبر أن السقوط قد يكون رميا ـ حيا أو ميتا!
وأدت تداعيات هذه الحداثة المؤسفة إلى استقالته كما سبقت الإشارة، تلك الإستقالة التي يعللها ”بخلافات حول قضايا مبدئية ومنهجية” من جهة، ـ وبحوادث مختلفة، يزداد عنفها أكثر فأكثر ـ من جهة ثانية.
جاء هذا التعليل في رسالة 2 أكتوبر 59 إلى الحكومة المؤقتة، وهي الرسالة التي نكتشف من خلالها أن رئاسة الحكومة طلبت منه ”عدم الإعلان عن استقالته، ومواصلة تصريف أعمال الوزارة، في انتظار اجتماع ممثلي الداخل”.
لكن وزير الخارجية منع من الاتصال بهؤلاء أثناء تواجدهم بتونس، في إطار حل أزمة الحكومة المؤقتة التي كانت استقالته واحدة من أسبابها، كما جاء ذلك في مذكرات الرئيس علي كافي  (212 من الطبعة الفرنسية).
غداة إعلان 16 / 9 / 59 الذي طرح الرئيس الفرنسي من خلاله موضوع الإحتكام إلى تقرير المصير ـ التحق الوزير المستقيل بتونس، وفاجأ الحكومة بحضور اجتماعاتها الخاصة بدراسة العرض الفرنسي، وأكثر من ذلك وقع على بيان الحكومة التي ضمنتها ردها، بل حضر المؤتمر الصحفي الذي تم الإعلان فيه على هذا البيان، يوم 28 / 09 / 59 بفندق ”الماجستيك” بتونس.
لكن منذ هذا المؤتمر الصحفي اعتبر مستقيلا من الحكومة، بل معزولا من مجلس الثورة أيضا، بعد سقوط اسمه من التشكيلة الجديدة التي تم طبعها في كواليس اجتماعات ”العقداء العشرة” (1) التي يشاع أنها استغرقت ”100 يوم”!
بهذه السقطة يرحل السياسي الثاني ـ بعد عبان ـ رحيلا سياسيا، لكنه نهائي أيضا.. لأن الدكتور الأمين قبل أن يفقد دعم ”الباءات الثلاثة” ( ) ـ وتلاميذهم من العقداء الشبان ـ كان قد كسب عداء بن بلة وخيضر من الخمسة السجناء.. ألم يكتب بن بلة إلى زملائه في لجنة التنسيق والتنفيذ الثانية ـ بعد تحييد عبان ـ قائلا ”لم نفهم لماذا وكيف استطاع هذا الشخص أن يتبوأ مسؤولية سامية بينكم؟! مضيفا ”لا ينبغي السماح له بالبقاء في صفوفكم أكثر مما بقي!” (أبريل 1958).

الدكتور الدباغين يوضح أسباب استقالته:
”خلافات مبدئية ومنهجية.. وحوادث دامية”..


في 16 سبتمبر 1959، أعلن الرئيس الفرنسي شارل دوغول عن قبول الاحتكام لمبدأ تقرير المصير، لحل النزاع الجاري بالجزائر منذ فاتح نوفمبر 1954، هذه الفرصة استغلها الدكتور محمد الأمين الدباغين، فبادر بالذهاب إلى تونس (من القاهرة حيث مقر وزارة الخارجية)، وتمكن من المشاركة من اجتماع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية للرد على هذا الإعلان، بل وقّع على بيان الحكومة، وحضر المؤتمر الصحفي إلى جانب فرحات عباس في 28 سبتمبر للإعلان عن هذا البيان، وبناء على ذلك أعتقد أن الوضعية الجديدة تستوجب الظهور صفا واحدا أمام العدو، ومن ثمة تجاوز الخلافات الماضية وسط الحكومة، ونسيان استقالة 15 مارس من نفس  السنة.
لكن هذا الإعتقاد ما لبث أن تبدد، لأن الحكومة المؤقتة عقدت اجتماعات لاحقة بدون توجيه دعوة الحضور إليه.
وردا على ذلك وجه إلى أعضاء الحكومة رسالة مطولة في 2 أكتوبر الموالي، عاد فيها إلى موضوع الإستقالة التي عللها بـ:
ـ ”الخلاف ـ بين وزراء الحكومة ـ حول قضايا مبدئية ومنهجية”.
ـ ”حوادث مختلفة، تزداد عنفا أكثر فأكثر”..

وكشف وزير خارجية الحكومة المؤقتة الأولى بالمناسبة، أن رئاسة الحكومة طلبت منه ”عدم الإعلان عن استقالته، ومواصلة تصريف أعمال الوزارة، في انتظار اجتماع ممثلي الداخل”.. ويفسر مبادرة الإلتحاق بتونس، ومحاولة التراجع عن استقالته ”بالحيلولة دون العدو والترويج لخلافاتنا” داخل الحكومة، وبمتطلبات الوضعية الطارئة بعد إعلان 16 سبتمبر، ويرى الدكتور الأمين في هذا الصدد ”أن انتصار الشعب الجزائري بات مرهونا بنتائج استفتاء تقرير المصير”.. وهذا الرهان ”يجعل من الضروري أكثر من أي وقت مضى الطهور جبهة واحدة، في المعركة الدبلوماسية والسياسية الدقيقة التي ستنطلق بيننا وبين فرنسا، سواء في الأمم المتحدة أو غدا بالجزائر، في حالة التفاوض حول وقف القتال، وربما تنظيم الإستفتاء كذلك”.
ويضيف تبعا لذلك قائلا ”إن الخلافات التي فرقت بيننا في الماضي ـ مهما كانت طبيعتها ـ تصبح ثانوية حتما أمام واجب الاتحاد المقدس، وضرورة بعث الثقة والحماس اللذين يمكن بفضلهما فقط أن نضمن الإنتصار السياسي غدا..”.
وخدمة لمصلحة الشعب ـ التي هي عنده فوق كل اعتبار حسب قوله ـ يرى أن من واجبه أن يشرح النقاط التالية:
1ـ أن معركتنا مع العدو مرشحة للتحول في أجل معقول، تحولا كاملا لا رجعة فيه من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي، بعد قبولنا مبدأ تقرير المصير، في أعقاب العدول أولا عن اشتراط الاستقلال قبل أي تفاوض، ثم التفاوض على الاستقلال، وأخيرا التفاوض بين الحكومتين بدون جدول أعمال مسبق.
2ـ أن حرب التحرير المتواصلة.. أصبحت في الوقت الراهن مجرد وسيلة ضغط على العدو لحمله بأسرع ما يمكن على خوضع المعركة السياسية التي اخترناها بكل وضوح، وبناء على ذلك فإن متطلبات النصر باتت واضحة:
أـ بالنظر إلى أن انتصار الشعب الجزائري وبعبارة أخرى استقلاله أضحى مرهونا في نهاية الأمر بنتائج المعركة السياسية التي ستجرى فوق التراب الجزائري، وهذه المعركة لا يمكن كسبها إلا في جو من الثقة والإيمان والحماس، مثلما كان الحال في أول نوفمبر 1954، جو ينبغي أن يبعث لا داخل البلاد فحسب، بل كذلك وسط جميع الجزائريين، لا جئين كانوا أو مسؤولين في مختلف مستويات القيادة.
ب ـ أن حرب التحرير ينبغي أن تشتد أكثر من أي وقت مضى فمن الخطأ الإعتقاد بأن تقرير المصير يصبح نافذا، بمجرد إعلان دوغول عنه وقبولنا نحن به، فهو عكس ذلك يتطلب كسبه في الميدان.
ولتحقيق ذلك علينا أن نرمي بكامل قدراتنا في الكفاح، تلكم القدرات التي لا يمكن استعمالها بفعالية، إلا إذا كانت الحكومة على مقربة من ميدان العمليات ذاته، فهذا القرب من شأنه أن يرفع معنويات المقابل ويعزز سلطة المسؤولين”.
ويتطرق الدكتور الأمين في رسالته إلى نقاط أخرى مثل:
ـ جيش التحرير الذي ”لا ينبغي حلّه أو تجريده من سلاحه، وإن كان من الممكن تجميعه فهو الضمانة الأسمى للشعب الجزائري، ضد أي مناورة صادرة عن سوء نية أو خداع من جانب الفرنسيين، لم نتفطن لها في الوقت المناسب.
ـ أن تضحيات الشعب الجزائري الجسيمة في سبيل قضيته العادل، تجعله لا يرضى بحل غير الاستقلال، وهذا الاستقلال لم يعد فيه شك ـ إن شاء الله ـ إذا ما أصبح تقرير المصير حقيقتة، وأخذنا بعين الاعتبار المبادئ العامة آنفة الذكر.
ـ الموقف الفرنسي: يرى الدكتور الأمين أن من مصلحة الفرنسيين حاليا التفاوض على حل شامل ـ مباشرة أو بوساطة ـ مع الحكومة المؤقتة كما هي أو كسلطة فعلية، فهم بذلك يتجنبون الاستقلال التام للشعب الجزائري، في حالة التطبيق الفعلي النزيه لتقرير المصير”.
وبناء على ذلك يضيف ”أن كل تفاوض مع الفرنسيين يبنغي أن يستهدف شيئا واحدا: توفير شروط تقرير المصير مع مختلف الضمانات المتعلقة بنزاهة وحرية الإقتراع المنتظر، على ألا يستبعد تقرير المصير اختيار الاستقلال بأي حال من الأحوال”...

2 - دوغول ملزم... برزنامة محددة
في تصريح للرئيس دوغول يوم 10 نوفمبر 1959، أشار الى استعداد حكومته  استقبال وفد عن قيادة الثورة الجزائرية، لبحث اقتراح 16 سبتمبر الماضي المتعلق باختيار تقرير المصير، كنافذة ممكنة لحل النزاع القاتم بالجزائر منذ فاتح نوفمبر 1954.
وقد وجد الدكتور محمد الأمين الدباغين في ذلك فرصة أخرى لخدمة قضية الشعب الجزائري، بتوجية رسالة ثانية إلى الحكومة المؤقتة في 17 نوفمبر من نفس السنة، ضمنها عناصر من خارطة طريق لمواجهة الموقف الفرنسي الجديد، من هذه العناصر:
1 - التذكير - من باب التزام الحذر - ببعض السوابق التاريخية المؤسفة: عدم وفاء فرنسا بالتزاماتها مع ممثلي حركات التحرير في كل من سوريا وفيتنام وتونس مثلا (1)، هذه السوابق تجعل مسألة الضمانات تكتسي أهمية قصوى، من هذه الضمانات:
- الحصول من الفرنسيين على تصوير سليم لتقرير المصير، يتضمن اختيار الاستقلال التام، في ظل وحدة الجزائر الترابية.
- التزامهم بنزاهة وحرية الإقتراع، في إطار تطبق تقرير المصير.
- أن يحتفظ جيش التحرير الوطني بسلاحه، في مواقع استراتيجية ملائمة للحرب الثورية مثل حربنا (2).
- الحرص على تماسك جبهة التحرير الوطني وفعاليتها، بما يضمن للشعب الجزائري كسب المعركة السياسية والتحكم فيها، ومن الأهمية بمكان تزويدها بمذهب - إجمالي مؤقتا - يمكن أن يحافظ على وحدة     الصفوف إلى غاية نجاح - استفتاء تقرير المصير. ولا ينسى           الدكتور الأمين الجانب العسكري فيوصي بـ:
- تكثيف العمليات العسكرية.
- إمداد جيش التحرير في الداخل، بعدد كبير من الكتائب المحملة بالذخيرة وغيرها.
- ممارسة ضغط مستمر على الموانع الدفاعية الفرنسية على امتداد الحدود التونسية واختراق هذه الموانع إذا أمكن باستعمال الأسلحة الثقيلة بكثافة.

ويرى الدكتور الأمين على الصعيد الدبلوماسي إمكانية تعبئة البعثات الصديقة في الأمم المتحدة، للحصول على لائحة تدعو طرقي النزاع الى وضع حد له، عبر التطبيق الصريح والنزيه  لتقرير المصير.
ويوصى في نفس السياق باستعمال ورقة الضغط العربية إلى أقصى حد: التهديد بفتح باب الكفاح أمام المتطوعين، ووقف إمداد فرنسا بالنفط العربي وتصعيد التزام البلدان العربية إلى حد حالة الحرب...
وبخصوص الموقف الفرنسي، يؤكد الدكتور الأمين أن إعلان دوغول الإحتكام لمبدأ تقرير المصير كان نتيجة ضغوط الدول الغربية الحليفة، الراغبة في أطفاء بؤرة الحرب في الجزائر التي بات استمرارها يهدد مصالحها في العالم الأفرو آسيوي...
ويتابع في هذا الصدد، منحنى تصريحات الرئس دوغول، من ”سلم الشجعان” (1958/10/23) إلى تصريح 10 نوفمبر 1959، ليستخلص بأنها تكتسي طابعا إيجابيا أكثر فأكثر، رغم ما بيده من تراجع من حين لآخر، بهدف  تطمين المستوطنين والجيش الفرنسي بالجزائر.
والخلاصة التي ينتهي اليها هي أن الرئيس الفرنسي... ”ملزم برزنامة محدودة ومن ثمة يبدو مجبرا بكيفية أو بأخرى على إبرام السلم في أحسن الآجال، فهو إذا على استعداد للإستجابة الى بعض شروطنا”.

3 - رسالة احتجاج على ترشيح ”الخمسة” للتفاوض المفترض
في 20 نوفمبر 1959 ردّت الحكومة المؤقتة على تصريح الرئيس دوغول في 10 من نفس الشهر، بترشيح القادة الخمسة السجناء (4) لإجراء مباحثات أولية مع فرنسا.
كانت الحكومة المؤقتة بهذا الاختيار تضع الرئيس الفرنسي على المحك: سبر نواياه وتحسس مدى جدية عرض التفاوض الذي يلوح به.
طبعا رفض دوغول رد الحكومة المؤقتة، بدعوى ”أنه لا يريد التفاوض مع أناس خارج ميدان المعركة”!
في نفس اليوم احتج الدكتور الأمين  الدباغين على ترشيح الخمسة، لكن لسبب آخر: عدم استشارته أو تبليغه بقرار الحكومة المؤقتة.
وفيما يلي نص رسالته إلى الحكومة:
”أسجل بأسف اتخاذ قرار خطير من حيث نتائجه - كالشروع في التفاوض مع الفرنسيين للتوصل إلى إيقاف القتال - بدون علمي، أو حتى استشارتي في الموضوع بكيفية أو بأخرى.

لقد اتخذ هذا القرار باسم الحكومة المؤقتة التي اعتبر أنني مازلت عضوا فيها أمام الرأي العام الجزائري والدولي، إنني ألاحظ مرة أخرى أن هناك من يواصل تعمد الغموض، مثل تحميلي أمام الرأي العام هذا مسؤولية قرارات لم أشارك في إعدادها لا من قريب ولا من بعيد، علما أنني لم أعد أدعى لاجتماعات الحكومة.. لذا أعلن في هذا الصدد عن شديد تحفظاتي”.
انتهى
إعداد محمد عباس


(*) طالع الحلقة الأولى في عدد الخميس 2 مايو 2013.
(1) هم : كريم، بن طوبال، بوالصوف، السعيد محمدي، بومدين، الحاج لخضر، كافي، ايعزورن، دهيلس ولطفي.
(2) أشار الدكتور الأمين إلى اتفاقية ”فينو” مع الوطنيين السوريين التي رفض البرلمان الفرنسي المصادقة عليها؛ وإلى وعود الفرنسيين لحكومة شنيق بتونس؛ وإلى محادثات فونتان بلو مع هوشي مينه حول فيتنام (سنة 1946)....
(3) يستدرك هنا ما سبق أن كتب في رسالة 59/10/2، حين قبل فكرة تجميع جيش التحرير في مراكز محددة.
(4) هم: بن بلة، خيضر، بوضياف، آيت أحمد وبيطاط.

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار