الهوية والمصير

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
شهدت الإمارات في الآونة الأخيرة عقد "مؤتمر الهوية الوطنية" الذي شهد بث رسائل مهمة وخطيرة من طرف أكثر من شخصية إماراتية، على أساس أن الوجود الهوياتي للإنسان الإماراتي أصبح يتحرك في دائرة الخطر ويلامس الخط الأحمر تماما• في هذا السياق، طلع رسام "الخليج" هارون بلوحة كاريكاتورية يظهر فيها مواطنان إماراتيان في زي الهنود الحمر، أحدهما يسأل الآخر "كيف الحال ؟" فيرد عليه صاحبه "الحمد لله كله تمام"• وفي السابع عشر من أفريل الفارط، كتب سعد محيو في "الخليج" أن ملتقى الهوية الوطنية جاء في وقته تماما، لأنه سار في عكس التيار الراهن تماما، وهو تيار خطر للغاية أمنيا واستراتيجيا، وحتى وجوديا• لأن ثمة من يدعو، وبينهم بعض الشخصيات الخليجية المعروفة، منذ وقت طويل إلى بناء ما أطلقوا عليه "الولايات المتحدة الخليجية" على صورة الولايات المتحدة الأمريكية•  هذه الدعوة لا ترتكز في مقولاتها على تعزيز وتطوير مجلس التعاون الخليجي، بل على منح جميع الجاليات الأجنبية المقيمة على أرضه حق الجنسية• وبحسبة سريعة وبسيطة للتراكيب السكانية في دول الخليج، يتبيّن لنا أن هذا المشروع سيؤدي إلى دمج الكيانات السياسية الخليجية بالأوطان الأم لهذه الجاليات في جنوب آسيا• وعندئذ لن يبقى شيء اسمه "عروبة" أو "هوية وطنية" في دول الخليج• ويحتج أصحاب هذا الاتجاه "المتأمرك" أيضا بأن الزمن زمن عولمة لا زمن شعارات وطنية• وأن العصر عصر اقتصاد لا عصر أيديولوجيات وهويات• وما يجري في دول الخليج منذ ثلاثة عقود على الأقل، يجعل معظمها في طليعة دول العالم التي تعايش هذا الزمن "المتعولم" الذي يدعي نظريا إلغاء الأيديولوجيات والهويات، بينما نلاحظ أن ما يجري على أرض الواقع متناقض تماما مع هذا الادعاء، حيث يشهد عالم اليوم تصاعدا غير مسبوق للقوميات والهويات الدينية والإثنية والوطنية المختلفة، على حساب المشترك الإنساني الذي كان من المفترض أن يتعزز في مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة• الإشكالية المحيرة التي تبقى مطروحة للبحث في منطقة الخليج عموما والإمارات على وجه الخصوص، تتمثل في السؤال التالي : هل الحداثة شكل خارجي ننتجه أو نستورده من أي جهة كانت لنمارس من خلاله نوعا من أنواع التحليق الوهمي في فضاءات ليست لها جذور عميقة في ذواتنا، أم هي حفر في أعماق الذات ومساءلتها وفتح لأبواب الحوار من الآخر الداخلي والإنساني، من أجل إعادة استكشاف الذات وإنتاجها من جديد بأدوات العصر ولغته ؟ إن النظر إلى الواقع كما هو، يفرض على دول المنطقة الخليجية كلها تبني استراتيجية واقعية من خلال منح الأولوية القصوى للدفاع عن الهويات الوطنية في كل قطر، والدفاع عن الهوية العربية الإسلامية في المنطقة كلها• وهذا لا يمكن أن يتم من دون إعادة التوازن إلى التراكيب السكانية في مختلف هذه الدول من جهة، وإنقاذ اللغة العربية من حالة الإقصاء والتهميش التي تعيشها•

عدد القراءات : 259

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
إشهار